ترامب أمام معضلة النهاية: نصر عسكري… أم بداية مأزق جديد؟
حسن درغام
بعد أسبوعين من الحرب على إيران، يبدو الحسم العسكري ممكناً، لكن نهاية الصراع السياسية تبدو أكثر تعقيداً.
من الخليج إلى جنوب لبنان، مروراً بناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز حيث يمر أكثر من ثلث تجارة النفط والغاز في العالم، وصولاً إلى باب المندب الذي تمر عبره البضائع القادمة من شرق آسيا، وفي مقدمتها الصين، نحو أوروبا والأسواق العالمية، يبدو أن العالم يقف اليوم أمام حرب تتجاوز حدودها الإقليمية لتلامس أمن الطاقة العالمي وتوازنات القوة في النظام الدولي.
لكن المفارقة أن هذه الحرب، رغم اتساعها وخطورتها، لا تبدو حتى الآن طريقاً واضحاً نحو نصر حاسم لأي طرف. بل إن ملامحها تشير إلى صراع قد ينتهي بما يشبه "توازن الخسائر"، حيث يعلن كل طرف أنه حقق أهدافه الأساسية، فيما تبقى جذور الصراع قائمة.
في واشنطن، يواجه الرئيس دونالد ترامب معضلة استراتيجية حقيقية. فالحرب التي بدأت بهدف تقليص القدرات العسكرية والنووية لإيران تحولت سريعاً إلى اختبار أكثر تعقيداً: كيف يمكن إنهاء المواجهة من دون الانجرار إلى حرب إقليمية طويلة، ومن دون التراجع في الوقت نفسه عن الأهداف التي رُفعت في بدايتها.
الكاتب الأميركي Thomas Friedman في The New York Times طرح السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا عن اليوم التالي للحرب؟ فإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية لا يعني بالضرورة سقوط النظام في طهران، كما أن إسقاطه قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية جديدة، على غرار ما حدث في العراق بعد عام 2003.
ومن زاوية أخرى، يرى الكاتب David Ignatius في The Washington Post أن المشكلة الأساسية لا تكمن في القدرة العسكرية بقدر ما تكمن في غياب تصور واضح لنهاية الحرب. فالتاريخ الحديث يظهر أن الحروب التي تبدأ بضربات سريعة ومركزة قد تتحول إلى نزاعات طويلة إذا لم تكن هناك استراتيجية سياسية واضحة لما بعد العمليات العسكرية.
المعضلة الأساسية أمام ترامب ليست عسكرية بل سياسية: كيف يوقف الحرب من دون أن يبدو أنه خسرها.
وتشير تقارير من واشنطن إلى أن هذا التناقض بين النجاح العسكري وصعوبة إنهاء الحرب بات واضحاً داخل الإدارة الأميركية نفسها. ففي تحليل نشره Michael Birnbaum في The Washington Post، يلفت إلى أن ترامب قد يكون قريباً من إعلان نصر عسكري بعد أسبوعين من العمليات التي دمّرت جزءاً كبيراً من القدرات البحرية والصاروخية الإيرانية وقتلت عدداً من كبار قادة النظام.
لكن هذه الضربات لم تحقق الهدف الأوسع للحرب. فالنظام في طهران لا يزال قائماً، كما أن إيران ما زالت تمتلك أدوات قادرة على تعقيد إنهاء الصراع. فهي قادرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، الممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، وقد أدى هذا التهديد بالفعل إلى اضطراب الأسواق وارتفاع أسعار الطاقة.
إلى جانب ذلك، تشير تقديرات غربية إلى أن إيران ما زالت تحتفظ بنحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو مخزون يمنحها ورقة ضغط استراتيجية في أي مفاوضات أو تسوية مقبلة، بل ويثير مخاوف من أن يؤدي التصعيد العسكري إلى دفعها لتسريع سعيها نحو امتلاك سلاح نووي.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى في هذه الحرب: قد تعلن واشنطن وتل أبيب النصر العسكري، بينما تستطيع طهران القول إنها نجت من الضربة القاضية وبقي نظامها قائماً.
كما أن حسابات الداخل الأميركي تضغط بدورها على قرار الحرب والسلام. فمع اقتراب الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، يواجه ترامب ضغوطاً متزايدة من داخل حزبه للتركيز على الاقتصاد والأسعار، خصوصاً بعد ارتفاع أسعار الطاقة وتأثير الحرب على الأسواق. لذلك يصبح إنهاء الحرب بسرعة، ولو من دون حسم كامل، خياراً سياسياً مغرياً للإدارة الأميركية.
في هذا السياق، يشير الفيلسوف السلوفيني Slavoj Žižek في مقال نشره في The Guardian إلى أن الحروب الحديثة تكشف أحياناً حدود القوة العسكرية نفسها. فالتفوق العسكري، مهما كان كبيراً، لا يترجم دائماً إلى نتائج سياسية واضحة، بل قد يفتح أزمات جديدة لم تكن محسوبة في البداية.
فالحرب لم تعد شأناً إقليمياً محصوراً بين إيران وخصومها، بل أصبحت تمس مصالح القوى الكبرى وأمن الطاقة العالمي وتوازنات القوة الدولية.
بالنسبة إلى أوروبا، فإن هاجسها الأول يتمثل في منع انهيار الاستقرار في الشرق الأوسط، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة والهجرة والأمن. أما الصين، التي تعتمد بشكل كبير على النفط القادم من الخليج، فترى في أي تهديد للممرات البحرية خطراً استراتيجياً على اقتصادها وعلى سلاسل الإمداد العالمية.
في المقابل، تراقب روسيا التطورات بحذر، مدركة أن أي تغيير جذري في ميزان القوى الإقليمي قد يعيد رسم خريطة النفوذ الدولي ويؤثر في توازناتها مع الولايات المتحدة في أكثر من ساحة.
أما في لبنان، فإن تداعيات هذه الحرب تبدو أكثر تعقيداً وخطورة. فالتصعيد العسكري بين إسرائيل و«حزب الله» يضع البلاد مجدداً على حافة مواجهة قد تكون الأوسع منذ حرب 2006، في وقت تشير تقديرات عسكرية إسرائيلية إلى احتمال توسيع العمليات العسكرية جنوب لبنان ضمن المواجهة الأوسع مع إيران.
لبنان ليس طرفاً مباشراً في الحرب الدائرة، لكنه قد يتحول بسهولة إلى إحدى ساحاتها إذا قررت إسرائيل نقل المواجهة شمالاً أو إذا اختارت إيران استخدام الساحة اللبنانية كورقة ضغط في صراعها الأوسع مع واشنطن وتل أبيب. وفي بلد يعاني أصلاً أزمة اقتصادية عميقة وضعفاً في مؤسسات الدولة، فإن أي انزلاق نحو مواجهة واسعة قد تكون كلفته أكبر بكثير من قدرة لبنان على تحمّلها.
وهكذا يقف لبنان مرة أخرى عند تقاطع صراعات أكبر منه، حيث تحدد التوازنات الإقليمية مصيره أكثر مما تحدده إرادته الداخلية.
في النهاية، قد لا تنتهي هذه الحرب بانتصار واضح لأي طرف. فالحروب الحديثة نادراً ما تنتهي كما بدأت، وغالباً ما تفرض نهايات وسطية لا ترضي أحداً بالكامل لكنها تمنع الانهيار الشامل.
لهذا قد يكون السيناريو الأكثر واقعية أن يعلن كل طرف بطريقة ما أنه حقق أهدافه الأساسية، حتى لو بقيت جذور الصراع قائمة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في الحروب المعاصرة:
قد تنتهي الحروب الحديثة عندما يقتنع الجميع أنهم لم يُهزموا، لا عندما ينتصر أحدهم فعلاً.
وكما كتب Amin Maalouf يوماً، فإن أخطر ما في صراعات الشرق الأوسط ليس أنها طويلة فحسب، بل أنها كثيراً ما تنتهي من دون أن تنتهي أسبابها.
وربما لهذا السبب تبدو نهاية هذه الحرب، منذ الآن، بدايةً لفصل جديد من الصراع أكثر منها خاتمة له.
مهندس معماري وكاتب سياسي
نبض