عندما تدخل التربية الطائفية كهف أفلاطون
الأب صلاح أبو جودة اليسوعي
أستاذ في جامعة القديس يوسف
ليست استعارة الكهف التي نجدها في الكتاب السابع من مؤلّف "الجمهوريّة" لأفلاطون، مجرّد أثر من آثار الفلسفة القديمة، بل تبقى نموذجاً فعّالاً للتفكير في سبل السعي إلى الحقيقة من خلال التربية. فلا يمكن التربية أن تكون حقيقيّة إلا إذا انتظمت بوضوح في خدمة هذا الجهد، إذ إنّها تحثُّ النفس للبحث عن الحقيقة، وفي الوقت عينه، تُنير الالتزام بخدمة الخير العامّ الذي يبرز بوصفه تتمّة لها. فإنّ التربية لا تقتصر على منفعة فرديّة بحتة، ولا يمكن أن تكون لامبالية تجاه الشأن العامّ، بل إنّها تنطوي بحدّ ذاتها على غاية مدنيّة.
لنستعد هذه الاستعارة باختصار. نجد داخل الكهف سجناء مكبّلين منذ الطفولة، مجبرين على تثبيت نظرهم في جدار الكهف حيث تُعرض ظلالٌ يظنّونها الحقيقة بحدّ ذاتها. وخلفهم تتّقد نارٌ تُعطي ضوءاً وسيطاً، وبين النار والسجناء يرتفع جدار صغير يقف خلفه أشخاص يحرّكون أشياء متنوّعة، هي ظلالُها التي تنعكس على الجدار، فيبدو المشهد وكأنّه مسرح أوهام تكوّن الرأيَ العامّ. غير أنّ تحرير أحد السجناء يفتتح مسار انفتاح مؤلم على الحقيقة المختلفة عن الظواهر. إذ يكتشف السجين المحرّر بدايةً الأشياء التي كانت الظلالُ مجرّد انعكاسات لها، قبل أن يُقاد إلى خارج الكهف ليرى العالم الحقيقيّ الذي تُضيئه الشمسُ التي ترمز إلى فكرة الخير. وحين يُضطرّ السجين المحرَّر إلى النزول إلى الكهف ثانية بدافع الواجب الأخلاقيّ والسياسيّ، بغية تحرير رفاقه من الجهل، ويضع معرفته الخير في خدمة العدالة وسعادة المدينة، يُواجَه بعدم الفهم والعداء من قبل الذين يبقون أسرى الظلال، الأمر الذي يكشف عن الصعوبة السياسيّة الكامنة في المدينة التي تحول دون الاعتراف السهل بالحقيقة.
تُبيّن استعارة الكهف أنّ الحالة الإنسانيّة تتشكّل من أوجه ثلاثة: أوّلاً، ثمّة جهل سائد منذ الطفولة يُفرَض من خلال قيود تُحِدّ من مجال النظر، وتمنع بلوغ الحقيقة؛ وثانياً، هنالك وهمٌ يغذّيه أولئك الذين يتحكّمون بالمظاهر، ويشكّلون التمثّلات الجماعيّة؛ وثالثاً، تبقى العلاقة بالحقيقة في أدنى مستوياتها، أي مستوى الظلال، في حين أنّ هذه ليست إلا محاكاة أشياء حسيّة هي أيضاً مغايرة للحقائق المعقولة. غير أنّ التحرّر من هذه الحالة لا يتحقّق بواسطة تراكم المعرفة فحسب، بل من خلال توجّه النفس كلّها نحو النور أو الحقيقة. وتستلزم هذه المسيرة التحرريّة المضنية والمؤلمة، تجاوزاً لليقين الحسيّ، وصرامة فكريّة وشجاعة أخلاقيّة. لذا، نجد أنّ السجين المحرَّر يخضع لنوع من "الإكراه" المفيد له، لأنّه ينتزعه من عالمه المألوف ويوجّهه إلى عالم النور، ويحثّه على العودة إلى الكهف، مع ما تنطوي عليه عودته من خطر على حياته، ليحمل رسالته التحرريّة التي تكشف بُعد الحقيقة الأخلاقيّ والسياسيّ. فإنّ هذه الحقيقة تُلزم من يعاينها بأن يضع نفسه في خدمة الآخرين، بالرغم من مقاومتهم إيّاه. وهذا ما يلخّص دور التربية. ولكن لنُضف إلى هذه الديناميّة عاملاً آخر يفرض نفسه.
إذا كانت عودة السجين المحرّر إلى الكهف تُزعزع النظام القائم، فإنّ ظهور "حامل الوحي" يُحدث تبدّلاً جوهرياً في المشهد. ويُبرِّرُ تدخّلَ "حامل الوحي" ميلُ الإنسان إلى سوء استخدام ملكاته المختلفة ومحدوديّة عقله، الأمر الذي يجعل من الحاجة إلى مساعدة تأتي من علُ أمراً ضرورياً. أمّا التبدّل الذي يحصل فيتمثّل بدايةً بأنّ الله الذي يتّخذ المبادرة وينزل إلى الكهف من خلال "حامل الوحي"، يبرز بصفته إلهاً شخصياً في مقابل فكرة الخير، ذلك المبدأ اللاشخصيّ والمعقول الذي يسعى إليه السجين المنعتق عند أفلاطون. ويُبرز هذا التبدّلُ بُعداً أنتربولوجياً مهماً يكشف عن عدم قدرة الإنسان على بلوغ كماله النهائيّ بقواه الذاتيّة، بل يعتمد هذا الهدف في نهاية المطاف على الإرادة والرحمة الإلهيَّتَين.
يُرسي هذا التبدّل نموذجاً معرفياً جديداً لا تعود فيه الحقيقة حكراً على التأمّل العقليّ، بل تصبح مرتبطة ارتباطاً وثيقاً باستقبال كلمة إلهيّة حاضرة في التاريخ. فإنّ الرهان الفلسفيّ ينتقل إلى حالة الشدّ القائمة بين استقلاليّة العقل وأولويّة العامل المقدَّس، وهذا ما يطرح مسألة السيادة على نحوٍ قاطع، فهل ينبغي أن يبقى العقل وحده حكماً في شأن الحقيقة أم يجب التسليم بسلطة خارجة عنه ذات طابع إلهيّ تُملي عليه الحقيقة؟
غير أنّ الإيمان والعقل في هذه الحالة لا يتعارضان بالضرورة، بل يخلقان حالة شدّ حيويّة. وإغفال هذه الديناميّة يؤدّي، إمّا إلى إذابة الوحي بالعقلانيّة، وإمّا الوقوع في فخّ الظلاميّة. لذا، فإنّ الرهان لا يقوم على الإخضاع أو السلبيّة، بل على تنظيم العلاقة بين الطرفَين، الأمر الذي يُعطي نتائج إيجابيّة. إذ يحتفظ العقل باستقلاله الجدليّ الصارم، في حين أنّ الإيمان يفتح أفقاً من الحقيقة لا يستطيع العقل بلوغه بقواه الذاتيّة، ويُعطي الإنسان القوّة للاستمرار في سعيه. وعلى هذا النحو، لا يُترك الإنسان ضحيّة وهم الاكتفاء العقليّ الذاتيّ، ولا يسقط في عبوديّة تعسّف لاعقلانيّ، بل يتوسّع أفق سعيه إلى الحقيقة وخدمة الخير بانسجام.
بيد أنّ ترجمة الوحي عملياً في تاريخ المجتمعات يتمّ دائماً من خلال وساطة بشريّة. ذلك أنّ ثمّة مَن ينقل الوحي ويفسّره. وهكذا، يأتي "مفسّر الوحي"، في مرحلة ثانية، ليشغل موقع الجدار في استعارة الكهف، محدثاً تحوّلاً حاسماً في العمليّة التربويّة. ففي الكهف، يمثّل الجدار حدّ النظر الأقصى، وعليه تُعكس الظلال التي تبني رأي السجناء، وتُضفي على المظهر صفة الحقيقة. وما دام النظر مثبّتاً على هذا المستوى السطحيّ، يبقى الالتفات إلى مصدر النور غير ممكن. وتظهر ثمّة ديناميّة مشابهة حين تحتكر سلطةٌ تفسير الوحي مُضفيةً على نفسها صفة الشرعيّة الوحيدة. غير أنّ المشكلة الكبيرة تبرز عندما لا تكتفي تلك السلطة بإيضاح الكلمة الموحاة، بل تحدّد إطار فهمها وإمكانيّة تفسيرها انطلاقاً من اختياراتها اللاهوتيّة المتأثّرة بخبراتها التاريخيّة.
ففي تلك الحالة، تتحوّل السلطة التفسيريّة إلى ما يشبه الشاشة. وتكفّ التربية عن كونها حركة توجّه النفس نحو الحقيقة، لتصبح منظومة تثبِّتُ الضمائر على تفسير شرعيّ واحد، وتتحوّل حالة الشدّ الخصبة بين الإيمان والعقل إلى تبعيّة أُحاديّة، ويفقد العقلُ استقلاليّته النقديّة، وتُلغى تعدديّة القراءات، وتنزلق الحقيقة تدريجياً نحو التطابق مع السلطة التي تُعلنها. وإذا اقترنت هذه المكانة التفسيريّة بتحويل السلطة إلى تسلّط، يكتسب تشكيل التمثّلات شرعيّة قدسيّة الطابع. فتصبح الطاعة الفكريّة مطلباً أخلاقياً ودينياً، ويُصنّف الاعتراض خيانة أو انحرافاً. ويكون أثر ذلك على التربية كارثياً، إذ تنحرف غاية التربية عن وجهتها، أي تكوين مواطنين قادرين على توظيف جهودهم في سبيل الخير العامّ، لتتحوّل وسيلة للحفاظ على النظام القائم. وفي مثل هذا السياق، يصبح توظيف كلمة الوحي على نحوٍ منحرف ممكناً جداً، إذ لا تُقدَّم تلك الكلمة بصفتها دعوة إلى الاهتداء الأخلاقيّ والروحيّ والبحث عن الحقيقة بجدليّة صارمة ومتجرّدة، بل مصدر شرعيّة لسلطة تعتبر ما يصدر عنها غير قابل للنقاش.
وعندما تحلّ الطاعة للسلطة المفسّرة محلّ السعي المشترك في البحث عن الحقيقة، يصبح انغلاق النظام القائم بنيوياً، فلا يعود الكهف يعبّر عن وضع إنسانيّ مدعوٍّ إلى تجاوز ذاته من خلال التربية القائمة على الصرامة الجدليّة، بل إلى نظام مستقرّ تصون آليّاته سلطةٌ تفسيريّة قدسيّة. وبكلام آخر، عوض أن تكون سلطة التفسير هداية إلى النور أو الحقيقة، تصبح جداراً يتوّقف النظر عليه. وهكذا، يُقفل ممرّ الكهف الذي يؤدّي إلى النور نهائياً، ويصبح الكهف نفسه بنية مغلقة يسودها إقطاع يتخفّى بلباس الخير.
من هذا المنظور، يبدو حياد التربية ضرورياً، وهو حياد لا يعني اللامبالاة تجاه الحقيقة، ولا اختزال التربية في نسبيّة عقيمة، بل ضمانة لا غنى عنها تحول أن يتمكّن أيّ فاعل، سواء كان سلطة سياسيّة أو دينيّة، من تقويض ديناميّة التربية في البحث عن الحقيقة. فهذا الحياد يحمي التربية من كلّ استحواذ حصريّ على المعنى، ويمنع إعادة بناء جدار الكهف بشكل خطاب سلطويّ يحدِّد مسبقاً أطر التفكير.
وفي الواقع، يسمح الحياد المرجوّ بأن تستعيد كلّ جهة وظيفتها الخاصّة والبنّاءة، فيمارس العقل دوره تبعاً لمتطلّبات التربية في البحث عن الحقيقة وخدمة الخير العامّ، ويفتح الوحي آفاق تسامي الإنسان وقوّة الإيمان على المساعدة في السعي نحو الحقيقة، وتضطلع السلطة السياسيّة بدورها الطبيعيّ في تحسين حياة المجتمع. وهكذا، حين يُفهم الحياد المذكور فهماً سياقياً، لا يمكن اعتباره تغييباً للغائيّة، بل ضمانة لتحقّق التربية غايتها. فهذه، كما سلف القول، ليست مجرّد تراكم المعارف، بل توجيه النفس نحو الحقيقة، وخدمة خير الجميع.
نبض