جبران تويني حذّر: لا تجعلوا لبنان ساحةً... في الذكرى لـ21 لـ "14 آذار"
في لحظةٍ يختلط فيها الخوف بالغضب، ويشعر اللبنانيون مرةً جديدة أنهم دُفعوا إلى حربٍ لم يختروها، تعود كلمات جبران تويني لتقف في وجه اللحظة الراهنة كأنها كُتبت اليوم لا قبل عقود. ففي الذكرى الحادية والعشرين لـ"14 آذار"، يعود صدى صرخة "لبنان أولاً" ليطرح السؤال نفسه: من يقرّر الحرب والسلم في لبنان؟ ومن يملك حق جرّ وطنٍ كامل إلى مواجهةٍ بهذا الحجم؟
لبنان اليوم يعيش واحدةً من أخطر لحظاته. حرب فُرضت عليه بعد أن قرّر "حزب الله" إدخال البلاد في مواجهةٍ إسناداً لإيران وثأراً لاغتيال علي خامنئي، في وقتٍ لم يُستشر فيه اللبنانيون، ولم تُستشر فيه الدولة، ولم يُحترم فيه الحد الأدنى من مفهوم السيادة. فجأةً يجد اللبناني نفسه مرّةً أخرى رهينة قرارٍ لا يملكه، يدفع ثمنه من أمنه واقتصاده ومستقبل أولاده.
في مثل هذه اللحظات، يصبح الرجوع إلى جبران تويني أكثر من استذكار. يصبح عودةً إلى بوصلة.
قبل أكثر من أربعة عقود كتب تويني: "دعني أعيش، ودعني ابتداءً من اليوم، وبعد الذي جرى ويجري، دعني أفكّر في لبنان أولاً… وأخيراً!".
كانت تلك العبارة، التي كتبها في ذروة العواصف التي كانت تضرب المنطقة ولبنان، أشبه بنداءٍ وجودي؛ أن يكون لبنان قضية اللبنانيين الأولى، لا ساحةً لحروب الآخرين.
واليوم، بعد كل ما جرى، يبدو السؤال نفسه مطروحاً من جديد: هل يحق لأحدٍ أن يقرر مصير لبنان خارج الدولة؟ وهل يُعقل أن يبقى هذا البلد ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية بينما شعبه ينهار اقتصادياً ويعيش على حافة القلق الدائم؟
كان تويني واضحاً أيضاً حين كتب:
"يجب أن يصبح لبنان، ولو لمرحلة، محيّداً عن الأزمات الدولية العاصفة في المنطقة". لم يكن ذلك هروباً من الواقع، بل قراءة عميقة لموقع لبنان الهشّ في قلب صراعات الشرق الأوسط. فالدولة الصغيرة لا تستطيع أن تعيش إلا بالحياد وبالاستقرار الداخلي. لكن ما نشهده اليوم هو العكس تماماً. فبدلاً من تحييد لبنان عن صراعات المنطقة، يُدفع البلد مرةً جديدة إلى قلبها، وكأن قدره أن يبقى ساحة حربٍ دائمة.
كتب تويني عن بيروت: "تمشي في بيروت، إذا استطعت أن تمشي، فتزدحم بك الأسئلة أمام ما ترى وتغصّ بالحزن، وتغصّ بالغضب، ولا جواب". كم تبدو هذه الكلمات مألوفةً اليوم. اللبناني يمشي في بلده، أو يحاول أن يمشي، محاطاً بالأسئلة نفسها: إلى أين نحن ذاهبون؟ من يحمي هذا البلد؟ ومن يعيد الى الدولة قرارها؟
لكن جبران تويني لم يكن شاهداً على الألم فحسب، بل كان صاحب دعوةٍ واضحةٍ الى المقاومة المدنية ضد الاستسلام، حين كتب عبارته التي لا تزال تقرع الضمير اللبناني: "ثوري أيتها الأكثرية الصامتة لئلا يُكتب عنا وعن وطننا على لوحةٍ من الرخام: هنا انتصرت جمهورية القتل على جمهورية الفكر والحريّة… هنا كان لبنان!".
هذه العبارة تبدو اليوم كأنها رسالة مباشرة إلى اللبنانيين في ذكرى 14 آذار. فهذه الذكرى لم تكن مجرّد حدثٍ سياسيٍّ عابرٍ في عام 2005، بل لحظة تاريخية خرج فيها مئات آلاف اللبنانيين ليقولوا إن هذا البلد يجب أن يعود إلى الدولة، وأن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة وحدها.
في جوهرها، كانت انتفاضة 14 آذار انتفاضة سيادة. انتفاضة شعبٍ رفض أن يبقى وطنه رهينة نظام الأسد آنذاك، ورهينة سلاحٍ غير شرعيّ، سلاح "حزب الله".
اليوم، بعد واحد وعشرين عاماً، يعود التحدّي نفسه لكن في ظروفٍ أشدّ خطورة. فلبنان المنهك اقتصادياً والممزق سياسياً، ما كان يتحمّل أن يتحوّل مرة أخرى إلى منصة حربٍ إقليمية. ولا يتحمّل أن يبقى قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة.
إن الدرس الذي تركه جبران تويني، واضح، عندما قال: "التنازل للوطن لا يعتبر تنازلاً! هذا ما يجب أن يفهمه الجميع".
التنازل الحقيقي هو التنازل للدولة، لا للمحاور. التنازل هو القبول بأن يكون قرار الحرب والسلم بيد مؤسسةٍ واحدة: الدولة اللبنانية.
في النهاية، الاستقلال في لبنان لم يكن يوماً حدثاً منجزاً ونهائياً. كان دائماً معركةً مفتوحة. ولهذا كتب جبران تويني: "الاستقلال معركة دائماً، سنظل نخوضها. هذا قدرنا".
ربما كان قدر لبنان فعلاً أن يخوض معركة الاستقلال مرّةً بعد مرّة. لكن الفرق اليوم أن هذه المعركة لم تعد مجرّد شعارٍ سياسي. إنها معركة وجود: بين دولةٍ يجب أن تولد أخيراً، وبين واقع الدويلة التي تريد إبقاء لبنان ساحة.
وفي ذكرى 14 آذار، تعود كلمات جبران تويني، رجل "القَسَم" لتذكّر اللبنانيين بأن الطريق إلى الغد لا يبدأ إلا من هنا: لبنان أولاً. والدولة أولاً. والقرار اللبناني أولاً… وأخيراً.
نبض