الخليج العربي في مواجهة مشروع الفوضى

آراء 14-03-2026 | 06:19

الخليج العربي في مواجهة مشروع الفوضى

الدول الخليجية لم تبن مكانتها الإقليمية والدولية عبر الصراعات أو المغامرات العسكرية والميليشيات، بل عبر نموذج مختلف تماماً
الخليج العربي في مواجهة مشروع الفوضى
أي اعتداء على دول الخليج العربي يتجاوز كونه عملاً عدائياً تقليدياً، ليصبح استهدافاً لنموذج ناجح في المنطقة (أ ف ب)
Smaller Bigger

في كل مرة تتعرض فيها دول الخليج العربي لاعتداءات أو تهديدات تمس أمنها واستقرارها، يتجدد السؤال ذاته، ماذا تريد إيران فعلياً من وراء هذه السياسات؟ وهل تدرك طهران أن مثل هذه الخطوات قد تأتي بنتائج عكسية تماماً لما تطمح إليه، بل ربما تعمق عزلتها وتدفع المنطقة إلى مزيد من التكتل في مواجهتها؟


إن الدول الخليجية لم تبن مكانتها الإقليمية والدولية عبر الصراعات أو المغامرات العسكرية والميليشيات، بل عبر نموذج مختلف تماماً، يقوم على التنمية والبناء والاستقرار والانفتاح الاقتصادي. فخلال العقود الماضية تحولت دول الخليج العربي، السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعُمان، إلى مراكز اقتصادية ومالية عالمية، وإلى منصات للتجارة والاستثمار والطاقة والخدمات.

 لقد أصبح الخليج مساحة أمل وفرص لملايين البشر، العرب وغير العرب، من مختلف القارات، وليس فقط لمواطنيه.

 

التقطت هذه الصورة بتاريخ 11 مارس 2026 (أ ف ب)
التقطت هذه الصورة بتاريخ 11 مارس 2026 (أ ف ب)

 

ومن هنا فإن استهداف المنطقة الخليجية لا يعني فقط تهديد حدود جغرافية أو منشآت اقتصادية، بل يعني أيضاً تهديد مشروع حضاري قائم على التنمية والاستقرار والرفاهية.


هذا المشروع لم يكن يوماً حكراً على مواطني هذه الدول وحدهم، بل امتدت ثماره إلى كل فرد يعيش ويعمل على هذه الأرض، ملايين المقيمين من مختلف الجنسيات وجدوا في الخليج بيئة آمنة لتحقيق أحلامهم المهنية والإنسانية، وبناء مستقبل أفضل لأسرهم.

ولعل هذه الحقيقة هي ما يجعل أي اعتداء على دول الخليج العربي يتجاوز كونه عملاً عدائياً تقليدياً، ليصبح استهدافاً لنموذج ناجح في المنطقة، فبينما تعاني أجزاء واسعة من الشرق الأوسط من الصراعات وعدم الاستقرار، استطاعت دول الخليج أن تقدم مثالاً مختلفاً يقوم على الاستقرار السياسي، والتنمية الاقتصادية، والاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والتعليم.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما الذي يمكن أن تكسبه إيران من محاولة تقويض هذا النموذج؟ 

من الصعب تصور أن مثل هذه السياسات يمكن أن تعزز نفوذها أو تحسن صورتها في الإقليم أو العالم، على العكس، فإنها تدفع دول المنطقة إلى مزيد من التنسيق والتعاون الأمني والسياسي، كما تعزز القناعة الدولية بضرورة حماية استقرار الخليج بوصفه عنصراً أساسياً في استقرار الاقتصاد العالمي.

إن الخليج العربي ليس مجرد منطقة جغرافية، إنه شريان رئيسي للاقتصاد العالمي، وممر حيوي للطاقة والتجارة الدولية، ولذلك فإن أي تهديد لأمنه ينعكس مباشرة على مصالح دول العالم شرقاً وغرباً، ولهذا السبب أيضاً نجد أن المجتمع الدولي يتابع بقلق بالغ أي تصعيد يستهدف هذه المنطقة،

وانعكس هذا القلق في أروقة الأمم المتحدة، حيث تبنى مجلس الأمن مشروع قرار يدين الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي، ومثل هذا القرار لا يحمل فقط دلالة سياسية، بل يعكس أيضاً إدراكاً دولياً متزايداً بأن أمن الخليج واستقراره ليس قضية إقليمية فحسب، بل قضية دولية تمس مصالح العالم بأسره.

إن استقرار المنطقة الخليجية ليس مجرد مصلحة إقليمية، بل قيمة إنسانية واقتصادية مشتركة. فهو يوفر فرص العمل لملايين البشر، ويدعم استقرار أسواق الطاقة، ويشكل جسراً للتعاون بين الشرق والغرب، ولهذا فإن الدفاع عن أمن دول الخليج العربي هو في جوهره دفاع عن فكرة أوسع.

يبقى القول، لا يمكن لأي مشروع قائم على التوتر والصراع والميليشيات، أن ينافس مشروعاً قائما على التنمية والاستقرار والفرص، وهذا ربما يكون الدرس الأوضح الذي تقدمه تجربة دول الخليج العربي للمنطقة خلال العقود الماضية.

*باحث ومستشار سياسي