ورقة عون الأخيرة؟
أطلق الرئيس اللبناني جوزف عون، في مسعى منه لخرق جمود الاتصالات السياسية، مبادرة هادفة إلى وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، تبدأ بسحب سلاح "حزب الله"، وتنتهي بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، محمّلاً عبرها الحزب المسؤولية بتوريط لبنان في حرب لصالح إيران.
جاءت مبادرة عون، خلال كلمة ألقاها في الاجتماع الافتراضي الذي نظمه رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوّضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، وضمّ عدداً من قادة دول المنطقة لبحث الأوضاع الراهنة نتيجة التطورات العسكرية الأخيرة وتداعياتها على لبنان.
ليس عن عبث إطلاق عون لمبادرته التي تتضمّن البنود الأربعة التي أرادها إنقاذية قبل فوات الأوان، وتحقيق إسرائيل الاجتياح العسكري حيث بدأت تخرج علينا تقارير إسرائيلية من داخل الكابينت عن توسيع دائرته بالاتفاق مع الإدارة الأميركية.
لا يهدف الرئيس عون إلى ترتيب السلام مع الإسرائيلي، لكنّه قارئ جيّد لمسار الحرب وتطوراتها في المنطقة، وأن لا حدود للعدوان الإسرائيلي. لهذا سارع إلى تقديم مبادرته لعلّه يستطيع الحصول على ضمانات أوروبية ودولية، وحتى أميركية لفرملة انزلاق لبنان جغرافياً وديموغرافياً.

"كم أشبه الأمس باليوم"، عندما وصل الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، إلى بيروت وحاصر المقاومة الفلسطينية ودفع بها نحو مغادرة لبنان قسراً إلى تونس. ليس هذا وحسب، بل استغلت تل أبيب انشغال المجتمع الدولي يومها بقضايا رئيسية وفرض على لبنان السلام، الذي أفشل في 17 أيار/ مايو 1983.
أدخل "حزب الله" مرة جديدة لبنان في أتون الحرب الدائرة على إيران، فاتحاً جبهة "إسناد إيران"، في مسعى عسكري منه لإيجاد جبهة "إشغال" في لبنان لتخفيف ضغط الحرب على الحرس الثوري في إيران. يعمل الحزب من خلال حربه الإسنادية التي يدفع ثمنها اللبناني، إلى جعلها جبهة استنزافية لإسرائيل، لهذا فهو ينظر إلى أن تكون طويلة ودون حدود من التسويات على اعتبار أنّه ليس لديه غاية من التفاوض ما دامت المعركة المفتوحة هي معركة "وجود لا حدود".
ليست بالمهمة السهلة على رئيس بلاد أن يقود السفينة وسط عواصف تضرب المنطقة، ومع إصرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على انتهائها على قاعدة الاستسلام الكلي. فالرئيس يدرك أن هذه الحرب لا تشبه سابقتها، ولن تنتهي على قاعدة ترسيخ القرار 1701 بلاس. فعلى الحدود اللبنانية السورية، نشر الرئيس السوري أحمد الشرع قوات دفاعية، ورغم التأكيد أنها احترازية، تشير التقارير إلى أن الأمور قد تتدحرج نحو ما هو أسوأ، في ظلّ الحديث عن سقوط قذائف داخل سوريا مصدرها "حزب الله".
قلّص الحزب في مغامرته هذه مروحة الخيارات عند الرئيس ووضعه أمام قرار واحد، يتعلق بضرورة تأمين الضمانات الغربية لوقف الحرب. فالحزب الذي لم ينتظر قراءة مبادرة الرئيس عون، أصدر بياناً بلسان نائب الأمين العام، محمد رعد، يوجّه فيه رسالة وضعها البعض في خانة التهديد، باعتباره أن صبر الحزب لم ينفد على الداخل الذي يعارض سياساته وربطه مصير لبنان بالحرس الثوري، منتقداً قرارات الحكومة اللبنانية المتعلقة بسحب السلاح وحظر أنشطته العسكرية.
لا شيء مستبعد، وكل الأمور باتت مطروحة على طاولة النقاش إذا ما طال أمد الحرب، وإن الشروط التي تُفرض على لبنان باتت أكثر تعقيداً منها ما أفاد به "إكسيوس" عن مصادر في الكونغرس الأميركي مطالبة عون بإقالة قائد الجيش.
أمام هذا الواقع، ومع توسع الحرب، ومع احتمال التدخل الغربي، ولا سيما الفرنسي لحماية الإمدادات النفطية في مضيق هرمز، أطلق عون ورقته ببنودها الأربعة عسى أن تتلقفها الإدارات المعنية وتدفع إلى وقف الحرب قبل فوات الأوان، فهل ستلقى آذاناً صاغية مبادرته قبل التعرّي؟
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض