من عاصفة إلى أخرى!

آراء 11-03-2026 | 04:08

من عاصفة إلى أخرى!

ما زلنا نتنقّل من عاصفةٍ إلى أخرى، ومن سردابٍ إلى آخر، كأن المنطقة كُتب عليها أن تعيش في ظلال الخرائط المكسورة. فهل تكون هذه اللحظة بداية الرشد؟ أم أن العاصفة القادمة… لا تزال في الطريق؟
من عاصفة إلى أخرى!
دخان متصاعد بعيد غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (أ ف ب)
Smaller Bigger

دخل صدام حسين الكويت في الثاني من آب/ أغسطس 1990، ولم تخرج المنطقة كلّها من تلك الورطة حتى اللحظة. فما تزال تداعيات تلك المغامرة تسكن بنية البيت العربي، كشقوقٍ دقيقة في جدارٍ قديم. رحل جيلٌ كامل عن المشهد، لكن المأساة لم ترحل معه، بل بقيت ترفرف فوق خرائطنا كغبارٍ لا يهدأ.

 

لقد شكّلت تلك الخطوة ضربةً قاصمة لبنية الذهن العربي، وللأمن الإقليمي، وللعلاقات العربية–العربية، ولموقع المنطقة في توازنات العالم.

 

وجاءت «عاصفة الصحراء»، فلم تعصف بصدام ونظامه فحسب، بل ومحيطه أيضاً، وبفكرة الدولة القومية حين تُستدرج إلى مقامرة التاريخ. ولم يتوقف السقوط عند لحظة إسقاط النظام، بل ازداد التصدّع عمقاً واتساعاً، حتى بدت المنطقة وكأنها تمشي على ذاكرةٍ مثقلةٍ بالركام.

 

ثلاثة عقود ونصف مضت منذ هدأت المدافع، ولم تهدأ زوابعها. فبعض العواصف لا ينتهي حين تصمت الطائرات، بل حين تستعيد الجغرافيا عافيتها… وهذا ما لم يحدث بعد.

 

واليوم يطلّ السؤال من جديد: ماذا عن سقوط نظام طهران؟ إلى أين تمضي الأمور؟ وما شكل الجغرافيا بعد الحرب القائمة؟ وأيُّ خرائط ستُعاد كتابتها بالحبر والنار معاً؟

 

النظام الإيراني، الوارث إحدى أهم إمبراطوريات التاريخ، لا يزال يرنو إلى المستقبل من سرداب الماضي. بنى سرديّته، طوال أربعة عقود ونصف منذ ثورة العمائم، على علاقة متوتّرة مع محيطه العربي، وكأنه يقف على الضفة نفسها لكن بروحٍ تعيش في زمنٍ آخر.

 

فهل برحيله تُطوى صفحة التوجّس العربي من تطلّعٍ فارسيٍّ متربّص؟ أم أن حرباً تتّسع رقعتها يوماً بعد يوم ستغذّي هذا التوجّس بدل أن تطفئه؟

 

قد نجد أن طهران، حتى وهي تتبدّل، لم تغادر دائرة الارتياب من الجار، منطلقةً من حالةٍ ذهنيةٍ عميقة لم تفارقها. حالة مشبعة بصراعات التاريخ ورواسبه، حيث تختلط الأسطورة بالسياسة، والهوية بالهيمنة.

 

فالحرب لا تقول إلا أن جنونها يفتح أبواباً أخرى للجحيم، وأن صعود بديلٍ مغاير في طهران قد يكون أكثر عداءً للمنطقة من نظام الولي الفقيه، أو أكثر ارتهاناً لتوازناتٍ جديدة تعيد رسم الاصطفافات. وقد يتحوّل «الهلال الشيعي» الذي أفل إلى طوقٍ آخر، يتزيّن بنجمةٍ مسدسة أخرى، في شرقٍ لا يكفّ عن تبديل خرائط الخوف.
ما البديل المرتقب بعد انهيار الرموز التي صاغت خطاب «المهدي المنتظر»؟ ذلك سؤال اللحظة، خصوصاً مع التحوّل الواضح في مزاج بعض النخب؛ إذ ما كان يُقال همساً صار يُقال جهاراً.

 

تأييدٌ لإسرائيل خرج من الظل إلى الضوء، لا بوصفه موقفاً سياسياً عابراً، بل خطاباً واثقاً يعيد تعريف العدوّ والصديق معاً. بدأ المشهد في أوساطٍ مختلفة من النخب الإيرانية في الخارج، حيث بدا رفع العلم الإسرائيلي في بعض الحشود المعارضة لافتاً، ثم تسلّل إلى الداخل كشقٍّ في جدار السردية الرسمية. ومن هناك امتدّ صداه إلى فضاءاتٍ عربية أخرى، حيث لم يعد التطبيع توقيعاً بارداً على ورق، بل تبريراً أخلاقياً للهيمنة، وتصفيقاً لها أحياناً.

 

وحين تتبدّل لغة النخب، تهتزّ طبقات الأرض تحت أقدام الأنظمة. فالسرديات لا تسقط بصاروخ، بل بتآكل المعنى في العقول، وبانزلاق المفاهيم من مواقعها الأولى.

 

بالنسبة لإسرائيل، هو اطمئنانٌ استراتيجي. وبالنسبة للأنظمة، جرس إنذارٍ صاخب: الخطر لم يعد عند الحدود فقط، بل في الوعي الذي يُعاد تشكيله من الداخل، في المدارس والمنابر والشاشات.

 

لقد مضت طهران في مسارٍ يصادم محيطها العربي، وعمدت طوال أكثر من أربعين عاماً إلى تصدير الثورة وزعزعة الاستقرار، بمقاربةٍ لم تُدرك أن استقرار المنطقة شرطٌ لأمنها، وأن إلغاء الجغرافيا وهمٌ في حسابات السياسة، مهما طال الزمن.

لكن السؤال يبقى معلّقاً في سماء اللحظة: هل سيؤدي رحيل النظام في طهران إلى إعادة ترتيب العلاقات العربية–الإيرانية بما يخدم الأمتين الجارتين؟ أم أننا سنكون أمام سردابٍ آخر، لا يخرج منه مهديٌّ منتظر، ولا يلوح في آخره ضوء، سوى ظلّ عاصفةٍ جديدة تبدأ من حيث ظنّ الجميع أن العواصف انتهت؟

 

ربما آن الأوان لأن نتوقف لحظةً خارج ضجيج المدافع، لنطرح سؤالاً أكثر قسوة: ليس ماذا فعل الآخرون بنا… بل ماذا فعلنا نحن بأنفسنا؟

 

هنا تستحضر الذاكرة كلمات الرئيس البوسني علي عزت بيغوفيتش، التي تتجاوز البوسنة لتلامس وجدان العالم العربي كله: "لقد بقينا حتى الآن نتحدث عن الخسائر والهزائم التي ألحقها بنا الآخرون، وحان الوقت لأن نبدأ الحديث عن الخسائر والهزائم التي ألحقناها نحن بأنفسنا. وستكون هذه بداية رشدنا".

 

تلك ليست مجرد حكمة عابرة، بل مفتاح بابٍ أغلقناه طويلاً. فالأمم لا تخرج من عواصف التاريخ بتحميل الهزيمة للآخرين، بل بمراجعة ذاتها، وإعادة بناء وعيها، واستعادة مشروعها.

 

أما نحن، فما زلنا نتنقّل من عاصفةٍ إلى أخرى، ومن سردابٍ إلى آخر، كأن المنطقة كُتب عليها أن تعيش في ظلال الخرائط المكسورة. فهل تكون هذه اللحظة بداية الرشد؟ أم أن العاصفة المقبلة… ما تزال في الطريق؟

نعم… تلك بداية الرشد. والحكمة ضالّة المؤمن…
لكن أين هم المؤمنون؟

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/11/2026 12:05:00 AM
أفيخاي أدرعي يرد على باسيل بعد تحميله إسرائيل مسؤولية الحرب
كتاب النهار 3/10/2026 5:10:00 AM
⭕ماذا نقل فنيش إلى بري تفاصيل عن مجريات الحرب وواقع الميدان؟⭕رسالة شفوية من الشيخ نعيم قاسم إلى رئيس المجلس... ما فحواها؟ وما علاقة نصرالله؟⭕هل عادت الأمور إلى مجاريها بين الحزب و"أمل"؟
اقتصاد وأعمال 3/9/2026 5:17:00 AM
يقدر شماس حاجة السوق اللبنانية اليومية بنحو 7.5 ملايين ليتر من البنزين و9 ملايين ليتر من المازوت، وهي كميات لا تزال متوافرة حتى الآن
لبنان 3/10/2026 9:10:00 AM
أسعار المحروقات تشهد ارتفاعاً كبيراً