الديبلوماسية الصينية في زمن الحرب: رسائل بكين إلى العالم

آراء 10-03-2026 | 04:20

الديبلوماسية الصينية في زمن الحرب: رسائل بكين إلى العالم

تبدو رسائل بكين في زمن الحرب محاولة لتأكيد فكرة أساسية: العالم لا يحتاج إلى مزيد من الصراعات بين القوى الكبرى، بل إلى نظام دولي أكثر توازناً يقوم على الحوار واحترام السيادة والتعاون بين الدول.
الديبلوماسية الصينية في زمن الحرب: رسائل بكين إلى العالم
تكشف الأزمة الحالية في نظر الصين عن خلل أعمق في آليات إدارة النظام الدولي.
Smaller Bigger

وارف قميحة*

 

 

في عالم تتصاعد فيه الصراعات العسكرية، تحاول الصين تقديم خطاب ديبلوماسي يقوم على التهدئة وإصلاح النظام الدولي وتعزيز التعددية.

في لحظة دولية تتصاعد فيها الحروب، وتتراجع فيها الثقة بين القوى الكبرى، جاء المؤتمر الصحفي السنوي لوزير خارجية الصين، وانغ يي، ليقدم قراءة صينية لطبيعة التحولات التي يشهدها النظام الدولي. أهمية هذا المؤتمر لا تكمن فقط في عرض المواقف الديبلوماسية لبكين، بل في كونه نافذة تكشف من خلالها الصين رؤيتها للعالم والدور الذي تسعى إلى لعبه في مرحلة دولية مضطربة، تتزامن اليوم مع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وتصاعد التوترات في أكثر من منطقة من العالم.

 

المؤتمر لم يكن مجرد عرض لمواقف ديبلوماسية تقليدية، بل كشف بوضوح عن مجموعة من الرسائل السياسية التي أرادت الصين إيصالها إلى المجتمع الدولي في مرحلة تتزايد فيها النزاعات وتتراجع فيها الثقة بين القوى الكبرى.

 

أولى هذه الرسائل تتعلق برؤية الصين لطبيعة المرحلة التي يمر بها العالم. فبكين ترى أن النظام الدولي يمر بمرحلة إعادة تشكل عميقة، وأن التحولات الجارية لا تقتصر على توازنات القوة التقليدية، بل تمتد إلى طبيعة إدارة العلاقات الدولية نفسها. ومن هذا المنطلق أكدت الصين أن الاتجاه العام للنظام الدولي ينبغي أن يتجه نحو قدر أكبر من التعددية، بحيث لا يحتكر عدد محدود من الدول القرار العالمي، بل تشارك الدول كافة، خصوصاً الدول النامية، في صياغة قواعد النظام الدولي وإدارة شؤونه.

 

الرسالة الثانية التي برزت بوضوح في المؤتمر تتعلق بدور المؤسسات الدولية، وفي مقدّمها الأمم المتحدة. فقد شددت الصين على أن الحفاظ على مركزية الأمم المتحدة يشكّل حجر الأساس لأيّ نظام دولي مستقر. فبالنسبة لبكين، فإن إضعاف دور المؤسسات الدولية أو تجاوزها يفتح الباب أمام عودة منطق القوة وفرض الإرادة بالقوة. ومن هنا جاءت الدعوة الصينية المتكررة إلى إصلاح منظومة الحوكمة العالمية، بما يعكس التغيرات التي شهدها العالم خلال العقود الماضية، ويمنح الدول النامية دوراً أكبر في المؤسسات الدولية.

 

وفي سياق الحديث عن دور الصين في العالم، حرصت بكين على توجيه رسالة واضحة مفادها أن صعودها لا يهدف إلى الهيمنة أو إلى استبدال قوة مهيمنة بأخرى. فالصين تحاول أن تقدم صعودها بوصفه نموذجاً مختلفاً عن التجارب التاريخية للقوى الكبرى، يقوم على التنمية الاقتصادية والتعاون الدولي بدلاً من الصراع على النفوذ. وهذه الرؤية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بفكر الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي يدعو إلى بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية؛ وهي فكرة أصبحت تشكل الإطار الفكري العام للديبلوماسية الصينية في السنوات الأخيرة.

 

لكن أهمية هذه الرسائل تبرز بشكل أوضح عند إسقاطها على الأزمات الدولية الراهنة، ولا سيما الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. فالصين تنظر إلى هذا التصعيد باعتباره تهديداً خطيراً للاستقرار الإقليمي وللاقتصاد العالمي في آن واحد. فالشرق الأوسط يشكّل أحد أهم مصادر الطاقة في العالم، وأيّ توسع للحرب قد يؤدي إلى اضطراب واسع في أسواق النفط والغاز، كما قد ينعكس على حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية.

 

ومن هذا المنطلق شددت بكين على ضرورة احتواء التصعيد والعودة إلى الحلول السياسية والديبلوماسية. فالصين تعارض بوضوح سياسة تغيير الأنظمة بالقوة، وترى أن استهداف قيادات الدول ذات السيادة أو محاولة فرض التحولات السياسية عبر القوة العسكرية يشكل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية. ولذلك تؤكد باستمرار أن معالجة الأزمات الدولية يجب أن تتم عبر الحوار والتفاوض واحترام القانون الدولي، وليس عبر الحروب المفتوحة.

 

كما تكشف الأزمة الحالية بنظر الصين عن خلل أعمق في آليات إدارة النظام الدولي. فكلما جرى تجاوز المؤسسات الدولية وتهميش دور الأمم المتحدة، ازداد خطر الانزلاق إلى منطق الصراعات العسكرية. ولهذا تحاول بكين أن تقدم نفسها كقوة تدعو إلى التهدئة وإعادة الاعتبار للديبلوماسية والقانون الدولي في مواجهة تصاعد النزاعات الإقليمية.

 

وفي الوقت نفسه، أكدت الصين أن سياستها الخارجية ستظل قائمة على مبدأ الاستقلالية وعدم الانخراط في صراعات المعسكرات. فبكين تحاول أن تطرح نموذجاً مختلفاً للعلاقات الدولية يقوم على الشراكات المتعددة والتعاون الاقتصادي والتنمية المشتركة بدلاً من الانقسام إلى تكتلات متنافسة. هذا النهج يعكس إدراكاً صينياً بأن العالم أصبح أكثر ترابطاً وتعقيداً من أن يُدار بمنطق المواجهة بين معسكرين متقابلين.

 

كما حملت تصريحات وزير الخارجية الصيني رسالة واضحة تتعلق بالدور المتنامي لما يُعرف بدول الجنوب العالمي. فالصين ترى أن هذه الدول أصبحت لاعباً رئيسياً في الاقتصاد والسياسة الدوليين، وأن صعودها يعكس تحولات عميقة في بنية النظام الدولي. ومن هذا المنطلق تؤكد بكين أن إصلاح النظام الدولي يجب أن يأخذ في الاعتبار مصالح هذه الدول وتطلعاتها وأن يمنحها دوراً أكبر في صنع القرار الدولي.

 

وفي تقديري، فإن الرسالة الأهم التي حاولت الصين إيصالها من خلال هذا المؤتمر هي أن العالم يقف أمام مفترق طرق: إما العودة إلى منطق الصراعات المفتوحة بين القوى الكبرى، وإما التوجه نحو نظام دولي أكثر توازناً يقوم على التعددية واحترام السيادة والتعاون الدولي.

 

وفي هذا السياق، تبدو رسائل بكين في زمن الحرب محاولة لتأكيد فكرة أساسية: العالم لا يحتاج إلى مزيد من الصراعات بين القوى الكبرى، بل إلى نظام دولي أكثر توازناً يقوم على الحوار واحترام السيادة والتعاون بين الدول. فالحروب قد تعيد رسم خرائط النفوذ، لكن الديبلوماسية هي التي ترسم شكل النظام الدولي. ومن هنا تحاول الصين أن تقدم نفسها كقوة صاعدة تراهن على إعادة التوازن إلى النظام العالمي بدل تكريس صراعاته.

*رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل ورئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث

 

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 3/9/2026 6:35:00 AM
تأخذ المسألة دلالات أخطر لدى انكشاف تغلغل حزب الله مجدّداً على أوسع مدى في جنوب الليطاني بدليل الصواريخ المتساقطة على شمال إسرائيل والنقاط التي تحتلّها في الجنوب منذ اندلاع المواجهات. 
اقتصاد وأعمال 3/9/2026 5:17:00 AM
يقدر شماس حاجة السوق اللبنانية اليومية بنحو 7.5 ملايين ليتر من البنزين و9 ملايين ليتر من المازوت، وهي كميات لا تزال متوافرة حتى الآن
النهار تتحقق 3/9/2026 8:06:00 AM
تصاعد دخان من قاذفة شبح بعد تحطمها، بينما بدا طاقمها يقتاده جنود على مقربة من موقع رُفِع فيه العلم الإيراني. 
لبنان 3/9/2026 1:43:00 AM
عند سؤاله إن كان ثمة مبادرة جدية مطروحة، قال سلام إنه لا يمكن الحديث عن مبادرة واضحة حتى الآن، لكن هناك أفكاراً مطروحة، خصوصاً من الجانب الفرنسي.