إشكالية لبنان الحقيقية تكمن في اليوم الثاني لما بعد الحرب
في تصعيدٍ لافت، وجه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، إنذاراً عاجلًا إلى سكان الضاحية الجنوبية في بيروت، الخميس 5 أذار/ مارس الجاري، دعاهم فيه إلى إخلاء منازلهم فوراً والتوجه عبر مساراتٍ محددةٍ خارج المنطقة.
واللافت هذه المرة أن البيان تضمن تحديد مسارات التوجه. لم تمض ساعاتٍ على هذا البيان، حتى خرج أدرعي موجهاً إنذاراتٍ جديدةٍ أحدثت مشهديةً ثانيةً من التهجير القسري، لسكان منطقة البقاع، داعياً إلى إخلاء عددٍ من القرى والبلدات فوراً بينها دورس وبريتال ومجدلون. الغريب إن هذه المناطق التي تمّ انذارها والطلب بالإخلاء، هي التي تعتبر "خزاناً" بشرياً لبيئة "حزب الله" الحاضنة، تضاف إلى البلدات الجنوبية التي دفعت إسرائيل بساكنيها إلى إخلائها منذ الساعات الأولى لقصف الصواريخ. فهل بدأت فعلاً عملياً التغيير الديموغرافي عبر الرسم بالنار مناطق لبنان الجديدة؟
دخل لبنان عملياً مرحلة الحرب المباشرة مع الإسرائيلي، بعدما تبنى "حزب الله" في بيان أصدره الإثنين 2 أذار/ مارس، إطلاق صليةٍ من الصواريخ والمسيرات إلى قاعدةٍ عسكريةٍ في حيفا. كما دخلت معه موجات من النزوح السكاني من مناطق يقوم المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، بنشرها لإخلائها فوراً، على اعتبار أنها ستتعرض لضربات جيشه. وهذا ما أعاد إلى أذان اللبنانيين مشهدية الـ66 يوماً من الحرب الدامية التي خاضها الحزب مع الجيش الإسرائيلي بعد عملية إسناد غزة، والتي توقفت في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2024 باتفاقٍ حدوده قرار مجلس الأمن 1701، بينما أبعاده تضمنت الكثير من البنود التي ظلّت قيد الكتمان.
انتهت الحرب الماضية بسقوط آلاف الشهداء وقيام العدو بتدمير مئات الآلاف من المنازل والأبنية بين من سويت أرضاً وبين من طاولها التدمير الجزئي. كما عمد إلى فرض واقعٍ جنوبيٍّ يتمثل في تمكينه من السيطرة على سبع تلالٍ جديدة، إضافةً إلى منعه سكان القرى الأمامية من العودة، ما طرح في أذهان اللبنانيين تساؤلاتٍ تتعلق بمدى جدية تنفيذ "منطقة ترامب الاقتصادية"، على اعتبار أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كان في تصريحاتٍ سابقةٍ تحدّث عن إعادة هيكلة قطاع غزة والمناطق الجنوبية المحاذية لفلسطين المحتلة بعمق 5 كلم، على أن تصبح مناطق اقتصادية تحت غطاء "شريطٍ حدوديٍّ آمن".
واقع مأسوي عاشه اللبناني مدى عام وأربعة أشهر تمثّل في اعتداءاتٍ واستهدافاتٍ إسرائيليةٍ يومية، وفي واقعٍ سياسيٍّ لم تشهده الساحة اللبنانية تجسّد في صورتين. الأولى، القرارات الرسمية الحكومية منذ 5 و7 آب/ أغسطس الماضي، وكان آخرها ما خرج بعد صواريخ "حزب الله" الإسنادية لطهران في حربها على المنطقة وعلى إسرائيل والتواجد الأميركي، والتي سحبت كل صفةٍ شرعيةٍ وقانونيةٍ لـ"حزب الله"، واعتباره فريقاً خارجاً عن القانون. وهذا ما تمّ تعميمه على الديبلوماسية العربية والدولية في واقعٍ مستجدٍ يؤكد تبرؤ الدولة من أي أعمالٍ يقوم بها الحزب أو وكلاء الحرس الثوري في لبنان.
الحركية السياسية التي استجدت والتي خرجت بها حكومة القاضي نواف سلام، بدعمٍ مطلقٍ من الرئيس جوزف عون وتأييدٍ مبطّنٍ من رئيس مجلس النواب نبيه بري، تؤكد أن مرحلةً جديدةً انطلقت، وأن متغيراتٍ سياسيةٍ على صعيد تشريع أعمال "حزب الله" ستحتلّ المشهد لليوم التالي بعد الحرب، خصوصاً أنّ عهد الرئيس عون لم يزل في سنته الثانية، والقرار اتّخذته حكومته الأولى ما يعني أنّ لا تراجع عن هذا القرار، وإن الاشتباك السياسي مع "حزب الله" قائم وحتمي، بعد سحب صفة المقاومة من بيان الوزاري.
لا شكّ في أن الحزب بإقحام لبنان في حرب الآخرين وتمرّده الدائم على قرارات الحكومة، يوضّح الصورة المقبلة على لبنان، مع الإبقاء على عمل الحزب السياسي، تيمناً ببقية الأحزاب التي شاركت في الحرب الأهلية وانتقلت إلى أحزاب سياسية بعد الطائف عام 1990. لكنّ الصورة التي لا تقلّ خطورة عن الأولى، تتمثّل في التهجير القسري المتعمد من الحكومة الإسرائيلية في هذه المرحلة، إذ لأول مرّة تأتي بيانات الجيش الإسرائيلي على مناطق برمّتها تطالبها بالتهجير، إضافةً إلى عدم تحديد الابتعاد كما في السابق حوالى 500 متر من المناطق المستهدفة، بل تطالبهم بالتوجه إلى مناطق ذات الغالبية المسيحية والسنية والدرزية، فهل سيعودون إلى منازلهم؟
ما بعد الحرب على لبنان، لجهة إعادة إعمار لبنان وعودة الأهالي، يشبه تماماً ما قبله ولكن بصورةٍ أقسى على لبنان والنازحين. إذ أصرّت الدول المانحة من دول عربية وأوروبية ودولية على ربط إعادة الإعمار وتدعم لبنان بسحب سلاح "حزب الله". ولكنّ اليوم، الحاضن العربي للبنان، يتعرّض لأبشع أنواع الاعتداءات الإيرانية من دون مبرّر. وقد خرج علينا الجنرال في الحرس الثوري، إبراهيم الجابري، بتهديدٍ مباشرٍ بضرب المراكز التجارية في دول الخليج، ما يهدد الاقتصاد الخليجي تحديداً بالخطر ما ينعكس سلباً على القدرة على إعادة إعمار لبنان.
لبنان اليوم، بين سندان الضربات الإيرانية المستمرة على الدول المانحة والداعمة له ما يقلّص فرص تقديم المساعدات في إعادة الإعمار، وبين انغماس "حزب الله" في دعم الحرس الثوري الإيراني، ما يؤكد استمرارية التدمير المنهجي للبنى التحتية والفوقية للمناطق ذات الغالبية الشيعية، فهل سيتمّ إعادة تشكيل الديموغرافيا المناطقية للبنان إن ظلّ الحزب متمسّكاً بسلاحه في ظلّ مسعىً إسرائيليّ لفرض واقع الحزام الأمني في الجنوب اللبناني؟
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض