ما خفي في الصراع الباكستاني- الأفغاني المستجد
تشهد العلاقات بين أفغانستان وباكستان تصعيداً عسكرياً خطيراً بعد أشهرٍ من التوتر على الحدود وتبادل الاتهامات بشأن وجود جماعاتٍ مسلحة.
وتعود جذور النزاع إلى الخلافات التاريخية حول خط "ديورند" الحدودي، إلى جانب الصراعات الإقليمية والتحالفات الاقتصادية الجديدة لأفغانستان مع الهند والصين وروسيا، ما يعقّد المشهد ويجعل من التوترات الحالية تهديداً للتوازن بأسره.
وكانت وزارة الدفاع الأفغانية قد أعلنت، الأحد 1 أذار / مارس الجاري، أن سلاح الجو استهدف قواعد عسكريةً داخل الأراضي الباكستانية، بينها قاعدة "نور خان" في مدينة روالبندي، إضافةً إلى قواعدٍ في مدينتي كويته وبيشاور، وذلك رداً على القصف الباكستاني الذي طاول مناطق مختلفة داخل أفغانستان، بما فيها قاعدة "باغرام" الجوية.
في قاعدة "باغرام" الجوية يكمن شيء من الأسباب الغامضة التي دفعت إلى إشعال حربٍ غير منتظرة بين الجارتين، وهي القاعدة الرئيسية التي طالب سابقاً الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرورة استعادتها من حركة "طالبان".
وكانت "طالبان" قد رفضت في وقت سابق، عبر تصريح ذكره ذاكر جلالي، الذي يعمل في وزارة الخارجية، فكرة احتفاظ الولايات المتحدة بأي وجود عسكري في أفغانستان ورفضتها "بالكامل" خلال المحادثات بين الجانبين قبل عودة الحركة إلى السلطة. ويأتي ذلك، بعد أن لمّح ترامب إلى أنّ إعادة السيطرة على قاعدة باغرام الجوية، التي كانت مركزاً لقوات حلف شمال الأطلسي، في أفغانستان لعقدين، قد يكون أمراً ممكناً "لأنهم يحتاجون إلى أشياء منها".

تشغيل الحرب الأفغانية- الباكستانية في هذه المرحلة أمر تحتاجه دول كثيرة باستثناء الشعبين المعنيين، اللذين يتمنيان أن تكون العلاقات بين البلدين في أحسن حالة نظراً الى ما تتداخل فيها من روابط دينية وتاريخية واقتصادية وربما عرقية. لكنّ الحرب الحدودية بين الدول تبقى من الحروب التي يتعذّر إغلاقها، والتي في مكان ما تستطيع مصالح الدول التسلل عبرها لتحقيق غاياتها وأهدافها. فما الخفايا التي تحملها تلك الحرب المستجدة؟
لا شكّ في أن الأميركي يحتاج تلك الإشتباكات القابلة لأن تنتقل من الحدود إلى العمق، على اعتبار أن الرفض الأفغاني لا يصبّ في مصلحة الرؤية الأميركية القائمة على تضييق الخناق على الصين في آسيا الوسطى. لم يكن السيد ترامب راضياً عن الانسحاب الأميركي من أفغانستان الذي قامت به الإدارة الأميركية السابقة في عهد الرئيس جو بايدن، فالموضوع بالنسبة إليه يمسّ أمن الولايات المتحدة الأميركية.
لهذا يجد البعض أن التقارب الأميركي- الباكستاني، قد يشكل خطوةً تمهيديةً في ظلّ التطورات الأمنية غير المنضبطة إلى تحقيق أهدافٍ استراتيجيةٍ كبرى على رأسها، إعادة تشكيل التموضع للقوات الأميركية داخل أفغانستان، بالتحديد في الحصول على قاعدة "باغرام" الاستراتيجية، وأهدافٍ ترتبط بخلق بلبلةٍ على الحدود الإيرانية وإقلاق إيران التي تخوض معها واشنطن حربها، والتي قد تؤدي إلى إشعال جبهاتٍ داخليةٍ إيرانيةٍ كجبهة قوات "جيش العدل" المناهضة للحكومة الإيرانية المتواجدة في مناطقٍ حدوديةٍ أفغانيةٍ وإيرانية.
بداية المناوشات الحدودية أتت بالتزامن مع حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن إقامة حلفٍ إقليميٍّ جديدٍ بوجه الحلف الشيعي المتمثل في إيران، وحلفٍ آخر أعطاه الصبغة الطائفية السنية. لهذا كرست زيارة رئيس وزراء الهند ناريندا مودي، إلى تل أبيب وتوقيع اتفاقات ابرزها أمنية، على اعتبار أن الهند ستبقى مهتمة بأمن إسرائيل ومستقبلها.
ليس ببعيدٍ تحريك جبهة الحدود في آسيا الوسطى، والدفع بها نحو خلق الفوضى على اعتبار أن الهند بعد حرب الأيام القليلة مع باكستان في كانون الثاني/يناير عام 2024، لم تخرج منها بانتصار. إذ ثبت تفوق باكستان الجوي، ما ترك قلقاً جدياً لدى نيودلهي على اعتبار أن الجهوزية الباكستانية قد تشكل تهديداً لمشروعها العميق المترابط مع إسرائيل تحت عنوان "الممر الاقتصادي الهندي"، باعتباره أساسياً لتغيير وجهة المنطقة وطريق التجارة العالمية المنتظرة ولادته. فهل فعلًا هي حرب حدودية، أم فعلاً رسم جديد لمعالم النظام العالمي الجديد والمنطقة؟
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض