لماذا ينبغي لأوروبا إعلان مبدأ مونرو أوروبي؟
بقلم إريك ألتر
لم يعد النظام الدولي قائماً على افتراض استقرار التحالفات أو ديمومة المظلات الأمنية. فمع تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، وعودة خطاب مناطق النفوذ، تجد أوروبا نفسها أمام سؤال وجودي: هل تظل معتمدة على الضمانات الأمريكية، أم تعلن مسؤوليتها الصريحة عن أمن محيطها الحيوي؟
فلم يعد من الممكن اعتبار تحركات إدارة ترامب للضغط على فنزويلا، أو الحديث عن شراء غرينلاند، شأناً داخلياً يخص نصف الكرة الغربي فحسب. فقد أصبحت هذه التحولات مصدر قلق واسع للقوى الدولية، وتهديداً لتوازنات قائمة منذ عقود. إذ إن الهياكل التي قامت على الردع المتبادل والتطمينات الأمنية بدأت تتصدع، ومعها يتغير ميزان القوى الذي حكم النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة.
ولم يعد التنافس محصوراً بين الولايات المتحدة والصين، بل بات يمتد إلى داخل المعسكر الغربي ذاته، بين نسختين مختلفتين من الغرب: الولايات المتحدة وأوروبا. وقد وصل هذا التوتر إلى السواحل الأوروبية، حيث يُطرح احتمال انفصال واشنطن التدريجي عن حلف شمال الأطلسي، وربما حتى التشكيك في مستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه.
تأسس حلف شمال الأطلسي عام 1949 ليكون مظلة الدفاع الجماعي في مواجهة الاتحاد السوفييتي. غير أن التساؤل الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا ينبغي للولايات المتحدة أن تواصل استثمار مواردها لحماية حدود البلطيق أو استقلال أوكرانيا، بينما ترى أن التهديدات الأكثر إلحاحاً تكمن في موجات الهجرة جنوباً أو في التحديات الاقتصادية والسياسية في أمريكا اللاتينية؟
تسعى واشنطن إلى تخفيف أعبائها، بدءاً من تقليص الانتشار العسكري، وصولاً إلى إعادة النظر في هياكل القيادة المشتركة والتدريبات وتبادل المعلومات الاستخبارية. وإذا تواصل هذا المسار، فإن تراجع الدور الأمريكي قد يفتح الباب أمام تحولات جذرية في البنية الأمنية الأوروبية.
ومع ضعف الروابط الأطلسية، قد يتصاعد الجدل داخل أوروبا نفسها. ففرنسا وألمانيا تدفعان منذ سنوات نحو تعزيز استقلالية دفاعية أوروبية، بما في ذلك فكرة الجيش الأوروبي، كما طرحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. غير أن هذا التوجه يكشف أيضاً الانقسامات داخل الاتحاد.
يبقى الاتحاد الأوروبي الحلقة الأكثر هشاشة، خصوصاً في ضوء ما أشارت إليه عقيدة الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026، التي لم تُبدِ حماساً لرؤية أوروبا قوةً عالمية مستقلة، ودعت إلى تركيز مواردها داخل القارة. ومع تداعيات "بريكست" وصعود النزعات الشعبوية في دول مثل هنغاريا وإيطاليا، تبدو وحدة الاتحاد عرضة لضغوط إضافية، خاصة إذا أعادت واشنطن إحياء منطق "مبدأ مونرو" على حساب البنية الأمنية الأطلسية.
كما أن الاتفاقيات التجارية عبر الأطلسي تواجه ضغوطاً متزايدة، في ظل تركيز أمريكي أكبر على تحالفات نصف الكرة الغربي، وربما إعادة تنشيط منظمة الدول الأمريكية لمواجهة النفوذ الصيني في فنزويلا أو البرازيل. وفي المقابل، قد تواجه الصادرات الأوروبية تعريفات انتقامية إضافية، فيما تتجه بعض دول الجنوب الأوروبي إلى ترتيبات متوسطية، بينما قد تميل دول الشمال الأوروبي ودول البلطيق إلى تنسيقات أمنية إقليمية خاصة بها، ما قد يهدد تماسك الاتحاد على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، يُطرح سؤال جوهري: هل يمكن لانفصال أمريكي تدريجي أن يكون محفزاً لأوروبا أكثر قوة واعتماداً على نفسها؟
الإجابة أن أوروبا تملك جميع الأدوات، لكنها تفتقر إلى الإرادة السياسية الحاسمة.
أولاً: تحديد مجال النفوذ الأوروبي:
ينبغي لأوروبا أن تقرّ بحاجتها إلى صيغة خاصة بها من "مبدأ مونرو أوروبي" تحدد بوضوح مجال نفوذها، ليشمل دول الاتحاد الأوروبي، والأقاليم المرتبطة به مثل غرينلاند، ودول غرب البلقان، ودول الجوار الشرقي للاتحاد الأوروبي. الهدف ليس الانعزال، بل إقرار صريح بأن أمن هذا المجال مسؤولية أوروبية بالدرجة الأولى.
ثانياً: إعادة هيكلة المنظومة الدفاعية
في حال تراجع الولايات المتحدة أو انسحابها جزئياً من الناتو، يمكن استيعاب ما تبقى من بنيته ضمن إطار أوروبي جديد تحت مظلة السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة، تمهيداً لقيام اتحاد دفاعي أوروبي فعلي. وقد يتطور نموذج هجين تتولى فيه أوروبا مسؤولية معالجة التهديدات الإقليمية، مع استمرار تنسيق محدود مع واشنطن في الملفات الكبرى.
غير أن الخطر يكمن في تفكك بطيء يُنتج تحالفات مصغّرة: تكتلات إقليمية في شرق ووسط أوروبا، إلى جانب محور فرنسي-ألماني في غرب القارة، وكل منها عرضة لاختراق قوى خارجية. ويُظهر تاريخ أوروبا، خصوصاً في مرحلة ما بين الحربين العالميتين، أن تفكك منظومات الردع والتحالف وغياب التنسيق الجماعي مهّد الطريق إلى تصاعد النزعات القومية وانتهى بصدام واسع.
ثالثاً: إظهار وحدة الإرادة السياسية
كما نجح الاتحاد الأوروبي في فرض عقوبات موحدة على روسيا عقب ضمّ القرم عام 2014، ينبغي له اليوم أن يتجاوز انقساماته ويستثمر بجدية في قدرات دفاعية مشتركة، بما في ذلك إحياء مشروع الجيش الأوروبي بوصفه خياراً عملياً لا شعاراً سياسياً.
رابعاً: توظيف القوة الاقتصادية
إن تحديد أوروبا بوضوح لمجال نفوذها وتحملها مسؤولية أمنه يقلل من اعتمادها على الضمانات الخارجية، ويجعلها أقل عرضة للضغوط السياسية أو الاقتصادية، بما يسمح لها بالتفاوض مع الولايات المتحدة والصين من موقع أكثر استقلالية.
في العلاقة مع الولايات المتحدة، عندما تعتمد أوروبا بشكل أقل على المظلة الأمنية الأمريكية، تصبح أقل عرضة للضغوط السياسية المرتبطة بالتجارة أو العقوبات، وتملك قدرة أكبر على الرد أو التفاوض من موقع أكثر استقلالية.
أما في العلاقة مع الصين، فإن تقليص الاعتماد على سلاسل توريد حساسة من المعادن النادرة إلى مكونات التكنولوجيا المتقدمة يقلل من قابلية أوروبا للتأثر بالضغوط السياسية. هنا لا يتعلق الأمر بالقطيعة، بل ببناء توازن متبادل يحول دون استخدام الاعتماد الاقتصادي المتبادل كورقة ضغط عند حدوث خلافات سياسية.
أي سيناريو ينتظر أوروبا؟
إذا تصاعدت أزمة غرينلاند أو تعمّقت الفجوة الأطلسية، فقد ينشأ نموذج أوروبي شبه مستقل، قادر على إدارة أزمات إقليمية، مع بقاء دعم أمريكي محدود في الملفات الوجودية مثل الدفاع عن أوكرانيا. وقد يؤدي هذا التوزيع الأكثر توازناً إلى تجديد الرابطة الأطلسية بصورة مختلفة.
أما في سيناريو أكثر قتامة، فقد تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى إعلان والدفاع عن مصيرها بنفسها. ويتطلب ذلك تحمّل مسؤولية أكبر في الإنفاق الدفاعي وبناء القدرات العسكرية، والاعتراف بأن المرحلة المقبلة لا تسمح بالغموض الاستراتيجي.
إن إعلان «مبدأ مونرو أوروبي» لا يعني الانكفاء، بل يعكس واقعية دفاعية تفرضها التحولات الدولية. ومن دون إطار واضح يحدد مجال نفوذها ويحميه، تخاطر أوروبا بأن تصبح ساحة لتنافس الآخرين، لا فاعلاً رئيسياً في رسم قواعد اللعبة.
* البروفيسور إريك ألتر، عميد برامج الدراسات العليا في أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية
نبض