الدول العربية في الأزمات… بين عقلية الضحية وثقافة المؤامرة ومنطق الدولة

آراء 05-03-2026 | 03:58

الدول العربية في الأزمات… بين عقلية الضحية وثقافة المؤامرة ومنطق الدولة

أسهل طريق لتبرير الفشل هو القول إننا مستهدفون، وأقصر طريق للهروب من المسؤولية هو إعلان أننا ضحية
الدول العربية في الأزمات… بين عقلية الضحية وثقافة المؤامرة ومنطق الدولة
دخان يتصاعد عقب انفجار في المنطقة الصناعية في الفجيرة في 3 مارس 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

محمد خراط*

عند كل أزمة تمر بها دولة عربية، يتكرر المشهد ذاته تقريباً، وكأننا أمام نص محفوظ تعاد تلاوته في كل مرة. تتغير الأحداث، لكن السردية تبقى واحدة: نحن الضحية، ونحن مستهدفون، وهناك مؤامرة تحاك ضدنا.

 

هذه ليست مجرد ردود فعل عابرة، بل أصبحت منهجاً في التفكير، وثقافة سياسية وإعلامية تراكمت عبر عقود، حتى تحولت إلى التفسير الجاهز لأي أزمة، مهما كانت أسبابها الحقيقية.

يمكن تقسيم طريقة تعامل الدول العربية مع الأزمات إلى ثلاثة نماذج واضحة.

النموذج الأول هو نموذج "الدولة الضحية". في هذا النموذج، يتم تقديم الأزمة على أنها نتيجة ظروف خارجية قاهرة، وأن الدولة وجدت نفسها في مواجهة تحديات فرضت عليها دون أن يكون لها دور في صناعتها. ومع الوقت، تتحول هذه الرواية إلى قناعة عامة لدى المجتمع، فيصبح من السهل تبرير أي تعثر اقتصادي أو سياسي أو إداري على أنه نتيجة ضغط خارجي، لا نتيجة أخطاء داخلية أو سياسات تراكمت عبر سنوات طويلة.

أما النموذج الثاني فهو نموذج "المؤامرة الدائمة"، وهو النموذج الأكثر انتشاراً في الخطاب السياسي والإعلامي العربي. في هذا النموذج، لا تفسر الأزمات باعتبارها نتيجة قرارات خاطئة أو ضعف في الإدارة أو خلل في التخطيط، بل باعتبارها جزءاً من مخطط يستهدف الدولة واستقرارها. ومع تكرار هذا الخطاب، تتحول نظرية المؤامرة من احتمال إلى عقيدة، ومن تحليل إلى أمر واقع لا يجوز التشكيك فيها.

المشكلة في هذا النموذج لا تكمن في احتمال وجود استهداف خارجي، فالعلاقات الدولية بطبيعتها تقوم على المصالح والصراعات، لكن المشكلة تكمن في استخدام فكرة المؤامرة كبديل عن المراجعة، وكوسيلة للهروب من الاعتراف بالأخطاء. فعندما تصبح كل أزمة مؤامرة، لا يعود هناك داع للمحاسبة، ولا حاجة للإصلاح، ولا معنى للتخطيط طويل المدى.

في هذين النموذجين، يلعب الإعلام دوراً حاسماً، لكنه في كثير من الأحيان يتحول من أداة توضيح إلى أداة تبرير.

في أوقات الأزمات، نشهد حالة من الفوضى الإعلامية، حيث يتحدث الجميع باسم الدولة، ويقدم كل محلل روايته الخاصة، بينما يجمعهم شعار واحد: نحن مستهدفون ونحن الضحية. ويتم تقديم هذا المشهد على أنه حرية إعلامية، بينما هو في الحقيقة غياب للتنظيم وغياب للمسؤولية، لأن الحرية في أوقات الأزمات لا تعني أن يتحول الخطاب إلى ساحة اجتهادات غير منضبطة قد تضر بالدولة أكثر مما تنفعها.

السؤال الذي لا يطرح بجدية في هذا السياق هو: لماذا نحن مستهدفون دائماً؟ ولماذا نحن دائماً الضحية؟

وفي أغلب الأحيان لا توجد إجابة واضحة، لأن الإجابة الحقيقية قد تقود إلى الاعتراف بأن جزءاً كبيراً من الأزمات هو نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية وسياسية تعود لعقود، وليس نتيجة حدث مفاجئ أو مؤامرة طارئة.

إن أسهل طريق لتبرير الفشل هو القول إننا مستهدفون، وأقصر طريق للهروب من المسؤولية هو إعلان أننا ضحية. لكن الدول لا تسقط بسبب المؤامرات فقط، بل تسقط أيضاً بسبب سوء الإدارة، وضعف المؤسسات، وتأجيل الإصلاح، والاعتماد على الخطاب بدل العمل.

في المقابل، هناك نموذج ثالث في التعامل مع الأزمات، يمكن وصفه بنموذج "الدولة التي تعمل بدل أن تشتكي".

في هذا النموذج، لا يتم إنكار وجود الضغوط الخارجية، ولا يتم تجاهل التحديات، لكن يتم التعامل معها بعقلية إدارة لا بعقلية تبرير. تضبط الرسالة الإعلامية، ويترك الحديث لأصحاب الاختصاص، ويتم التركيز على الحلول بدل البحث عن شماعات.

ويمكن ملاحظة هذا النهج في عدد من دول الخليج، حيث يظهر التعامل مع الأزمات قائماً على توحيد الخطاب، واحترام المؤسسات، والعمل بصمت بعيداً عن الضجيج الإعلامي.

وفي هذا السياق، يبرز نموذج دولة الإمارات في إدارة الأزمات، حيث يتم التعامل مع المواقف بحكمة وبحسابات دقيقة، وخطاب إعلامي منظم، وثقة واضحة في قدرة المؤسسات على إدارة التحديات دون الحاجة إلى استباق الفشل بتبريرات جاهزة.

قد يرى البعض أن هذا الأسلوب يقيد الإعلام، لكنه في الواقع يعكس فهما أعمق لدور الإعلام في وقت الأزمات. فالدولة لا تحتاج في لحظات التحدي إلى مزيد من الأصوات، بل إلى صوت واضح، ورسالة واحدة، وخطة عمل. وهنا تتمثل حكمة دولة الإمارات ودول الخليج في تعاملها مع أزماتها.

في النهاية، طريقة تعامل الدول مع الأزمات تكشف مستوى نضجها السياسي والمؤسسي. الدول التي تكرر أنها ضحية قد تكسب تعاطفاً، والدول التي تتحدث عن المؤامرة قد تجد مبرراً، لكن الدول التي تواجه الواقع وتعمل بصمت وتكامل إداري وإعلامي هي وحدها القادرة على تجاوز الأزمات وبناء مستقبل أكثر استقراراً.

 

*كاتب وناقد

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 3/4/2026 1:43:00 PM
رغم ان العنوان الذي تنشره احدى الصفحات في الفايسبوك مغر، فإنه من الضروري التحذير منه. 
ايران 3/3/2026 11:01:00 PM
أنباء عن تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى لإيران عبر اجتماع عُقد "أونلاين" بانتظار تأكيد رسمي
لبنان 3/4/2026 4:10:00 AM
 وزارة الصحة اللبنانية: 6 شهداء و8 جرحى إثر الاعتداء الإسرائيلي على عرمون والسعديات في جبل لبنان