جدليَّة السّيرة والوثيقة: الخطاب السّرديّ وإشكاليَّة النَّوع في رواية "عطر ودماء" ليوسف طراد
تُعدُّ رواية "عطر ودماء" للكاتب يوسف طراد عملًا أدبيًّا وإنسانيًّا يوثّق لمرحلة محوريّة من تاريخ لبنان الحديث (الثّمانينيّات والتّسعينيّات)، كما تقدّم أنموذجًا فريدًا للرّواية التي تدمج بين التّوثيق التّاريخيّ والسّيرة الذّاتيّة بصيغة فنّيّة لافتة.
أوّلًا- إشكاليّة النّوع: بين السّيرة الذّاتيّة (بضمير الغائب) والرّواية الواقعيّة
تطرح الرّوايّة إشكاليّة في الجنس الأدبيّ؛ فهي تقع بين "السّيرة الذّاتيّة" و"الرّواية الواقعيّة التّوثيقيّة":
1- السّيرة الذّاتيّة بضمير الغائب: يختار الكاتب يوسف طراد أن يروي حياته وتجربته العسكريّة بضمير الغائب "هو" (المجنّد يوسف)، وهو أسلوب أدبيّ يمنحه مسافة من الموضوعيّة، وكأنّه يشاهد حياته شريطًا سينمائيًّا. هذا الاختيار الفنّيّ يحوّل "يوسف" من مجرّد كاتب يسرد ذكرياته إلى "بطل روائيّ" يتحرّك في سياق الأحداث التّاريخيّة.
2-الرّواية الواقعيّة (التّدوينات الحقيقيّة): يشدّد الكاتب على غلاف كتابه بأنّها "تدوينات حقيقيّة". الرّواية تلتزم بالتّتابع الزّمنيّ الدّقيق للأحداث (بداية من عام 1980)، ولا تعتمد على تقنيّات الاسترجاع الفنّيّ المعقّدة بقدر ما تعتمد على "التّفاعل الحقيقيّ" مع الواقع المعيش.
ثانيًا- التّوثيق التّاريخيّ للأحداث اللُّبنانيَّة
وثّقت الرّواية محطّات مفصليَّة في التّاريخ اللّبنانيّ بأسلوب واقعيّ، ومن أهمّها:
بدايات الثّمانينيَّات (١٩٨٠): ترصد الرّواية سيطرة قوّات الرّدع العربيَّة (الجيش السّوريّ) على مدينة طرابلس، وتصف بدقّة حواجز التّفتيش في مناطق كُوسبا والهيكليَّة، وما رافقها من ضغوط أمنيَّة.
معركة "قنات": تسرد الرّواية تفاصيل انطلاق المواجهات في بلدة قنات بجبّة بشرّي، وتأثير ذلك على النّسيج الاجتماعيّ وحركة النّاس.
تجربة الضّغط السّياسيّ والاعتقال: يوثّق الكاتب محاولات تجنيده قسرًا في أحزاب موالية لجهات خارجيَّة، وتعرّضه للاحتجاز لدى المخابرات السّوريَّة نتيجة رفضه الانصياع لتلك الضّغوط.
الجيش اللّبنانيّ والفرز الطّائفيّ: تنقل الرّواية بمرارة واقع "الفرز" الذي طال المؤسَّسات، وتتحدَّث عن تكريس مبدأ "السّتَّة والسّتَّة مكرَّر" حتّى في توزيع المهامّ العسكريَّة والمنامة داخل الثّكنات.
الاجتياح الإسرائيليّ واتّفاق ١٧ أيّار: تشير الرّواية إلى النّزيف الوطنيّ المستمرّ في عهد الرئيس أمين الجميّل، وتداعيات الاتّفاقات السّياسيَّة على الجبهات المشتعلة.
حرب الجبل: توثّق الرّواية العمليَّات العسكريَّة العنيفة في المنطقة، وانسحابات اللّواء الرّابع، وآثار القصف الذي طال مناطق بدارو وبدادون وغرفة العمليَّات.
نهاية الثّمانينيَّات و"حرب التّحرير": تتطرَّق الرّواية إلى الصّدامات العسكريَّة في عهد العماد ميشال عون، وما عرف بـ "حرب التّحرير" و"حرب إلغاء الميليشيَّات"، واصفةً الدّمار والحصار اللّذين تعرَّضت لهما المناطق التي كانت تُسمّى "المحرَّرة".
مزج الحقيقة بالخيال: يفتتح الكاتب روايته بمقولة لـ "سومرست موم" (Somerset Maugham) والتي تشير إلى اختلاط الحقيقة بالخيال لدرجة يصعب معها التّمييز بينهما. فبينما تكون قصّة الحبّ (يوسف وصوفيا) هي الإطار العاطفيّ "المتخيّل" أو المبالغ فيه فنّيًّا لتخفيف وطأة الحرب، تظلّ الأحداث العسكريّة والتّاريخيّة حقائق دامية شهدها الكاتب بنفسه.
ثالثًا- الخطاب السّرديّ وتشكيل الرّؤية (تحليل بنيويّ وسيميائيّ)
ينتقل يوسف طراد من مجرّد تسجيل الوقائع إلى بناء خطاب سرديّ متماسك، تتعدَّد فيه الدّلالات وفق المفاهيم النّقديَّة الحديثة:
١- بنية السّرد والتّبئير (Focalisation)
يعتمد الخطاب السّرديّ على "الرّاوي العليم" الذي يتحرَّك بضمير الغائب، وهو ما يسمّيه جيرار جينيت (Gérard Genette) "التّبئير الدّاخليّ"؛ فالبطل "يوسف" ليس مجرّد جنديّ، بل هو عين القارئ التي تبصر تمزّق الوطن.
هذا النّوع من السّرد يمنح النّصّ صبغةً ملحميَّةً سمحت للكاتب بتجاوز حدود الذّاكرة الضّيَّقة إلى فضاء التّحليل والتّأمّل، حيث لا يكتفي الخطاب بنقل الخبر، بل يغوص في الحالة النّفسيَّة لرفقاء السّلاح، ويصف بدقّة مشاعر الخيبة والرّجاء وسط أزيز الرّصاص.
٢- زمن السّرد والمفارقات الزّمنيَّة (Anachronies)
يمثّل الزّمن في رواية "عطر ودماء" البنية التّحتيّة الّتي شيّد عليها يوسف طراد ذاكرته العسكريّة؛ فهو ليس زمنًا خطّيًّا بسيطًا، بل هو زمنٌ مركّبٌ يشتبك فيه التّاريخيّ بالذّاتيّ. وبالاستناد إلى جيرار جينيت، يمكننا رصد تجلّيات المفارقات الزّمنيّة في النّصّ عبر المستويات التّالية:
أ- الاسترجاع واستعادة الهويّة
يعمد الكاتب إلى تقنيّة الاسترجاع لربط لحظة "الحرب" بلحظة "ما قبل التّمزّق". فالبطل "يوسف"، وهو في خضمّ المعارك (كأحداث قنات أو غيرها)، يعود بذاكرته إلى مقاعد الدّراسة والجامعة. هذا الاسترجاع ليس مجرّد تذكّر، بل هو ما يسمّيه جينيت "استرجاعًا خارجيًّا" يهدف إلى إضاءة سيرة البطل وتفسير دوافعه الإنسانيّة. هي محاولةٌ لترميم الذّات الّتي مزّقتها القذائف، عبر العودة إلى زمن "البراءة" الذي سبَق زمن "الدّماء".
ب- الاستباق ونبوءة الخيبة
يظهر الاستباق في خطاب الرّاوي العليم بوضوح؛ فالرّاوي (الذي هو يوسف في زمن الكتابة) يتدخّل أحيانًا ليشير إلى ما آلت إليه الأحداث. فعند وصفه للبطولات والتّضحيات على جبهات القتال، يمرّر إشارات استباقيّة توحي بالخيبة المستقبليَّة من "أمراء الحرب" الذين سيقطفون ثمار هذه الدّماء. هذا الاستباق يخلق نوعًا من "التّوتّر السّرديّ"، حيث يعيش القارئ الحدث في زمنه الماضي، لكنّه يدرك عبر خطاب الرّاوي أنَّ هذه التّضحيات ستذهب هباءً منثورًا، ما يعزّز تراجيديّة الرّواية.
ج- زمن "القصة" مقابل زمن "الخطاب"
يبرز هنا الفرق الجوهريّ بين الزّمن الواقعيّ للأحداث (١٩٨٠-١٩٩٠) وبين زمن الكتابة النّاتج عن وعيٍ ناضجٍ. بالاستناد إلى مفهوم "موت المؤلّف" عند رولان بارت (Roland Barthes)، نلاحظ أنَّ "يوسف الكاتب" قد تخلّص من قيود التّقرير العسكريّ ليمنح "يوسف الشّخصيَّة" زمنًا روائيًّا خاصًّا. فالمشهد العسكريّ الّذي قد يستغرق دقائق في الواقع، يمتدّ في "زمن الخطاب" لصفحات طويلة من التّأمّل الفلسفيّ والوصف السّيميائيّ، بينما قد تمرّ سنوات الحرب العجاف في أسطرٍ قليلةٍ، وهو ما يُعرف بـ "التّسريع السّرديّ".
د- الدّيمومة والوقفة الوصفيَّة
تتجلّى "لذَّة النّصّ" عند بارت في تلك الوقفات التي يعطّل فيها الكاتب نموّ الزّمن الخطّيّ ليركّز على "العطر". لقاءات صوفيا ويوسف تمثّل "وقفةً زمنيّةً" خارج أحداث التّاريخ. في هذه اللّحظات، يتوقّف زمن الدّماء، ما يخلق توازنًا إيقاعيًّا يريح القارئ من وطأة التّوثيق التّاريخيّ المتلاحق.
بالتّالي، إنَّ المفارقات الزّمنيّة في الرّواية حوَّلت "التّدوينات الحقيقيّة" من مجرّد أرشيفٍ إلى "كائنٍ زمنيٍّ متحرّكٍ". لقد استطاع يوسف طراد أن يروّض زمن الحرب القاسي عبر تقنيّات السّرد، جاعلًا من الماضي زمنًا حاضرًا في وجدان القارئ، ومن المستقبل (الخيبة) رؤيةً نقديَّةً تحاكم الواقع اللّبنانيّ المأزوم. إنَّه تلاعبٌ ذكيٌّ بالزّمن يثبت أنَّ تعيد صياغةٍ الماضي برؤية الحاضر.
رابعًا- سيميائيَّة العنوان (العطر والدّماء)
بالاستناد إلى تنظيرات رولان بارت، نجد أنَّ العنوان يشكّل ثنائيَّةً ضدّيَّةً تحكم المسار السّيميائيّ للنّصّ:
الدّماء: تمثّل "المدلول المرجعيّ" والواقع الصّلب للحرب، وهي القيمة التّوثيقيَّة.
العطر: يمثّل "الدّالّ الجماليّ" والنّزوع الإنسانيّ، وهو ما يمنح النّصّ "لذَّته" وأدبيَّته.
خامسًا- المزج بين الواقع والمتخيّل وتشكيل الرّؤية
تتجلّى براعة الكاتب في قدرته على دمج الحقيقة التّاريخيَّة بالمتخيّل الأدبيّ؛ فقصّة الحبّ مع "صوفيا" تمثّل "الخيال المرن" الذي يمنح الرّواية روحها في مواجهة رائحة الموت. إنّه انتقال ذكيّ من "المؤلّف" إلى "الكاتب" الذي يجعل الوجعَ لغةً، محوّلًا التّجربة الشّخصيَّة إلى قضيَّةٍ إنسانيَّةٍ عامَّةٍ.
وعليه، تتجاوز رواية "عطر ودماء" كونها مجرّد سردٍ لذكرياتٍ عسكريَّةٍ، لتظهر باعتبارها أنموذجًا متفرّدًا في أدب الحرب اللبنانيّة. وتكمن الرّؤية الجديدة التي قدَّمها يوسف طراد في أنسنة المؤسَّسة العسكريَّة؛ فقد نجح في نقل الرّواية من "التّاريخ الرّسميّ" الذي يكتبه القادة، إلى "التّاريخ الوجدانيّ" الذي يكتبه المسعف.
إنَّ المزج بين الواقع (الدّماء) والخيال (العطر) لم يكن تجميلًا للحقيقة، بل كان وسيلةً لقول ما لا تقوله التّقارير العسكريَّة. الجديد هنا هو استعادة "لبنان الرّوح" وسط "لبنان الدّمار"؛ فقصّة الحبّ تمثّل استمراريَّة الحياة على أنّها فعل تحدٍّ، بينما تختتم الرّواية برؤيةٍ نقديَّةٍ ثاقبةٍ تفضح "عبثيَّة الموت" وخيبة الأمل إزاء واقعٍ عاد فيه أمراء الحرب ليتصدَّروا المشهد.
إنَّ "عطر ودماء" هي شهادةٌ حيَّةٌ، استطاعت عبر خطابها السّرديّ المتطوّر أن تجمع بين "صدق الوثيقة" و"لذَّة النص". لقد قدَّم يوسف طراد من خلال سيرته الذّاتيَّة مرآةً عاكسةً للوجع اللّبنانيّ، ليخرج في النّهاية برؤيةٍ روائيَّةٍ واقعيَّةٍ ترفض النّسيان وتنتصر للقيم السّامية، مؤكّدًا أنَّ العطر يمتلك القدرة على مواجهة أبشع أنواع الحروب وتخليد ذكريات الضّحايا في ذاكرة الوطن، بعيدًا عن الرّوايات الرّسميَّة التي غالبًا ما تكون غير ممهورةٍ بصدق المعاناة الإنسانيَّة الحقيقيَّة.
إذا كانت رواية "عطر ودماء" قد نجحت في تحويل "المجنّد يوسف" من مجرّد رقم عسكريّ إلى بطل تراجيديّ يوثّق مأساة وطن، فإلى أي مدى يمكن للأدب السِّيريّ (المكتوب بضمير الغائب) أن يحلّ مكّان "التّاريخ الرّسميّ" في صياغة الهويّة الوطنيّة اللّبنانيّة بعيدًا عن روايات المنتصرين؟
نبض