الهجوم الأميركي -الإسرائيلي على إيران ووضع أوروبا أمام اختبار استراتيجي حاسم
الهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي في الأول من آذار/ مارس 2026 على إيران لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل أعادت خلط الأوراق في الشرق الأوسط ووضعت أوروبا أمام اختبار استراتيجي حاسم.
لسنوات طويلة، تعاملت العواصم الأوروبية مع طهران باعتبارها أزمة مزمنة يمكن إدارتها عبر الديبلوماسية والعقوبات وسياسة حافة الهاوية المتكررة. اليوم، يبدو أن هذا الافتراض يتهاوى، ومعه تتآكل مقاربة إدارة الخلاف التي حكمت العلاقة منذ عقود.
اجتمع قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، في قمة طارئة، لم يكن الخلاف حول توصيف الضربة بقدر ما كان حول تداعياتها وتأثيرها. بعض دول أوروبا الشرقية رأت في العملية ردعاً مشروعاً ينسجم مع التزامات الحلف الأطلسي، فيما حذرت عواصم غربية من أن الانزلاق نحو تصعيد أوسع قد يضرب أسواق الطاقة ويطلق موجة اضطرابات إقليمية جديدة. هذا التباين لا يعكس اختلافاً أخلاقياً، بل اختلافاً في تقدير المخاطر، هل الخطر الأكبر هو بقاء النظام الإيراني كما هو، أم انهياره المفاجئ؟

المعضلة الأوروبية لا تتعلق فقط بأمن الشرق الأوسط، بل بأمن أوروبا ذاته. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، انتقلت إيران من موقع الخصم السياسي إلى موقع المساهم العسكري المباشر في نزاع يمس القارة الأوروبية، عبر تزويد روسيا بطائرات مسيّرة وصواريخ استخدمت ضد بنى تحتية مدنية.
لم تعد طهران ملفاً بعيداً، بل أصبحت جزءاً من معادلة الأمن الأوروبي، يضاف إلى ذلك تاريخ طويل من احتجاز مواطنين أوروبيين، واتهامات بتنفيذ أنشطة استخباراتية ومحاولات اغتيال على أراض أوروبية، فضلاً عن تهديد الملاحة في مضيق هرمز ودعم جماعات مسلحة في المنطقة.
الشق النووي يزيد الصورة تعقيداً، فبعد سنوات من التفاوض ومحاولات الإحياء الجزئي للاتفاق، تواصل البرنامج النووي والصاروخي الإيراني تقدمه. في أروقة القرار الأوروبي، يتزايد الإقرار بأن الدبلوماسية وحدها لم تغيّر سلوك النظام، بل ربما أتاحت له وقتاً لترسيخ قدراته.
لذلك، بدأت فكرة دعم انتقال سياسي في إيران، التي كانت حكراً على دوائر معارضة أو أصوات متشددة، تجد صدى أوسع في النقاش العام.
التجارب الإقليمية القريبة تذكر الأوروبيين بأن الفراغ السياسي قد يفتح أبواب الفوضى، وأن التدخل الخارجي قد يضعف شرعية أي حركة داخلية.
يُحذر الخبير هانز جاكوب شيندلر من مشروع مكافحة التطرف، من أن بنية النظام الإيراني، وخاصة الحرس الثوري، تمتلك من الموارد والارتباطات ما يمكنها من إعادة إنتاج السلطة حتى في حال غياب القيادة العليا.
يشير إتش إيه هيليير من المعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الدفاعية والأمنية إلى أن إسقاط الأنظمة تاريخياً ارتبط إما بتدخل بري مباشر أو بانشقاقات داخلية واسعة، وكلا الخيارين لا يبدو مرجحاً حالياً.
الخيار الأوروبي الواقعي قد لا يكون بين الحرب والسلام، بل بين الاستمرار في سياسة الاحتواء المتردد بدعم لحقوق الإيرانيين في تقرير مصيرهم. هذا يعني تشديد العقوبات بشكل منسق، تعزيز الحماية للأمن الداخلي الأوروبي، وفتح قنوات تواصل مع قوى مدنية إيرانية دون الانزلاق إلى مغامرة عسكرية مباشرة.
أوروبا اليوم أمام لحظة نادرة لإعادة صياغة استراتيجيتها تجاه طهران. إذا اكتفت بلغة خفض التصعيد التقليدية، فقد تجد نفسها بعد سنوات أمام التحديات ذاتها.
السؤال لم يعد ما إذا كانت إيران تمثل تحدياً، بل ما إذا كانت أوروبا مستعدة للتعامل معه بحزم ما بعد الهجوم الأميركي الإسرائيلي ومقتل المرشد علي خامنئي.
*باحث في الأمن الدولي والإرهاب ـ بون
نبض