خطاب اتحاد بروح تفرقة

آراء 26-02-2026 | 14:52

خطاب اتحاد بروح تفرقة

الولايات المتحدة، في جوهر فكرتها التاريخية، لم تُبن على نقاء عرقي ولا على وحدة ثقافية صلبة، بل على عقد دستوري يجعل الولاء للنظام والقانون بديلاً من الدم واللغة. 
خطاب اتحاد بروح تفرقة
ترامب في خطاب الاتحاد
Smaller Bigger

في السياسة، كما في المسرح، قد يطول العرض حتى ينسى المتفرج الحكاية، ويظل مشدوداً إلى الضجيج. هكذا جاء خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه دونالد ترامب، متجاوزاً تسعين دقيقة من الزمن والمعدلات التقليدية لخطابات حالة الاتحاد التي تدور غالباً حول ساعة واحدة، ما حول الزمن نفسه إلى أداة استعراض. كأن الطول في ذاته حجة، وكأن الدقائق يمكن أن تتحول إلى دليل إنجاز. لم يكن خطاباً يُقاس بما قال، بقدر ما يُقاس بعدد المرات التي توقف فيها لالتقاط التصفيق، وعدد الوقفات التي صُممت سلفاً لتُنتج استجابة عاطفية لا تفكيراً نقدياً. لقد بدا المشهد أقرب إلى مهرجان تعبوي منه إلى تقليد دستوري عريق، حيث تحول الإيقاع إلى بديل من المضمون، والضجيج إلى ستار حجب الأسئلة الصعبة.


منذ افتتاحه، استند الخطاب إلى سيل من الأرقام: انخفاض التضخم، ارتفاع التوظيف، عودة المصانع، تشغيل عشرات الآلاف من الشركات. أرقام قُدمت بوصفها حقائق نهائية، لا مؤشرات قابلة للتأويل. لكن الاقتصاد، بطبيعته، لا يُقرأ باللقطات المجتزأة. فتراجع التضخم مثلا لا يعني انخفاض الأسعار، بل تباطؤ ارتفاعها، وهي نتيجة شاركت في صناعتها سياسات نقدية معقدة لا تُنسب إلى إدارة بعينها. أما سوق العمل التي جرى الاحتفاء بها، فهي استمرار لمسار بدأ قبل سنوات ـ منذ عهده الأول إبان الجائحة ـ تحكمه دورات الاقتصاد الكلي أكثر مما تصنعه الخطب الرئاسية. هنا تتجلى المغالطة الكلاسيكية: تحويل الاتجاهات الطويلة إلى إنجازات لحظية، واستخدام الإحصاء بوصفه أداة إقناع لا أداة تفسير.


غير أن المفارقة الأشد حدة لم تكن في الاقتصاد، بل في الاجتماع السياسي. حينما استحضر الخطاب مجتمعات مهاجرة بعينها، وتوقف عند الصوماليين في مينيسوتا بحضور النائبة الديموقراطية إلهان عمر، لم يكن ذلك توصيفاً ديموغرافياً بريئاً، بل إعادة رسم خفية لحدود الانتماء. فالتكرار المقصود للإشارة إلى مهاجرين من أصول مكسيكية أو أفريقية، مقروناً بلغة توحي بالريبة أو العبء، يصنع تدريجياً ما يمكن تسميته "مواطنة تراتبية": مواطن أصيل وآخر طارئ، مواطن كامل وآخر قيد الاختبار. وهنا يتحول خطاب الاتحاد — الذي يفترض أن يجمع — إلى خطاب فرز رمزي يعمق الفوارق داخل المجتمع، هذا النوع من الاستدعاء الانتقائي لا يهدف إلى وصف الواقع، بل إلى تحويل الهجرة من مسألة سياسات عامة إلى قضية هوية ثقافية.


وهنا لابد من الإشارة إلى أكثر ما استوقفني في هذا الخطاب، وهو الحديث عن صعود القيم الأميركية بعد عام من بداية عهده!! وهنا توقفت لأفسح المجال للذكاء الاصطناعي ليساعدني، علني لم أفهم تلك القيم يوماً، سألته عن مفهوم القيم الأميركية؟ وجاء الرد شافياً كافياً وافياً، فبين الحرية، الدستور، وسيادة القانون، أضحيت أقلب كفي! فكيف يستقيم الدفاع عن تلك القيم مع خطاب يوحي بأن الحفاظ عليها يمرّ عبر التضييق عليها؟ وكيف يُقنع العالم بأن حماية التجربة الأميركية تستدعي تمزيق بعض مرتكزاتها الرمزية بحجّة جعل أميركا "عظيمة مجدداً"؟


إن الولايات المتحدة، في جوهر فكرتها التاريخية، لم تُبن على نقاء عرقي ولا على وحدة ثقافية صلبة، بل على عقد دستوري يجعل الولاء للنظام والقانون بديلاً من الدم واللغة. دولة بلا لغة رسمية جامعة، ولا دين ملزِم، وجدت وحدتها في النص لا في الأصل. لذلك بدا الحديث المتكرر عن "استعادة القيم الأميركية" ملتبساً؛ فالقيم التي نشأت على الحرية الفردية، وسيادة الدستور، والانفتاح على المهاجرين، لا يمكن أن تستعاد عبر خطاب يلمح إلى الخوف من الاختلاف أو يُحمل التنوّع مسؤولية القلق الوطني.


ليست المشكلة في أن يختلف رئيس مع تقاليد سابقة، فالاختلاف روح السياسة، بل في أن يُعاد تعريف المبادئ التأسيسية عبر لغة انفعالية تُقدم الخوف بديلاً من الثقة، والانكفاء بديلاً من المثال. لقد بدا الخطاب طويلاً كخطبة في ساحة، لا كرسالة إلى أمة؛ حافلاً بالتصفيق، فقيراً إلى التأمل؛ مشغولاً بإثبات القوة، غافلاً عن طمأنة الفكرة التي قامت عليها البلاد.
وهكذا، ليست الخطورة في طول الخطاب أو حدة عباراته، بل في التحول الذي يكشفه: انتقال فكرة الاتحاد من كونها عقداً مفتوحاً يتسع للاختلاف، إلى رواية سياسية تبحث عمن يستحق الدخول فيه. عند تلك اللحظة، لا يصبح السؤال كيف ستُجعل أميركا عظيمة مجدداً، بل: أي أميركا هي التي يُراد إعادتها؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الولايات المتحدة 2/25/2026 10:40:00 PM
صورة لـ "ستيفن هوكينغ" في ملفات جيفري إبستين تُعيد الجدل حول رحلته إلى جزر العذراء
واشنطن تشترط اتفاقاً نووياً دائماً مع إيران...
تشغل أنظمة رادار متطورة بتقنية (LPI)، التي تسمح لها بمسح ورصد الأهداف في عمق الأراضي المعادية دون أن تكتشف hgرادارات وجودها أو تردداتها.
سياسة 2/25/2026 5:10:00 PM
القوات اللبنانية: الفنان رشدان إنسانٌ حرّ يتمسّك بحريته