آراء
26-02-2026 | 19:26
الإمارات دولة اعتدال وقوة استقرار
التشكيك في نيات الإمارات حيال أمن المنطقة والسعودية تحديداً واستقرارها، عبث ويتجاهل حقائق ووقائع دامغة في التاريخ القريب.
علم الإمارات.
منذ تأسيسها، اختارت الإمارات أن تكون دولة اعتدال، وأن تبني ازدهارها على الاستقرار، وعلى الواقعية لا على الأيديولوجيا. وفي خضم حملات إعلامية ممنهجة ومحاولات تشكيل محاورٍ إقليمية معادية، أثبتت الديبلوماسية الإماراتية النشطة أن سياسة الحياد الإيجابي وبناء الجسور هي الخيار الأكثر عقلانيةً وديمومة.
لقد كثر الحديث عن محاور آنية وانتهازية عديدة في المنطقة أخيراً، لكن جميعها وُلدت لتموت لأن الدول العاقلة لا تنخرط في محاورٍ معادية للإمارات، ولا تقايض مصالحها الوطنية بمشاريع هلامية ثبت فشلها. المحور الوحيد القابل للاستمرار هو محور الاستقرار والاعتدال الذي يقوم على حماية الدولة الوطنية وصون سيادتها.
إن كان هناك من محور في المنطقة، فهو محور الاستقرار والاعتدال وقيادته إماراتية. لقد عززت الإمارات قيادتها لهذا المحور بعدم الانجرار إلى مهاترات إعلامية انطلقت من عقالها في الآونة الأخير. اختارت الإمارات الصمت الحكيم، وواصلت التركيز على سجلها التنموي والمعرفي، وعلى نشاطها السياسي والديبلوماسي، وعلى الارتقاء بشراكاتها الجيواقتصادية والجيوسياسية والتقنية.
المقلق في المشهد الراهن ليس اختلاف السياسات، فهذا أمر طبيعي، بل عودة خطاب تحريضي إقصائي متشدد عالق في الماضي يبث الكراهية ضد الاعتدال والتسامح والانفتاح والرغبة في السلام. هذه الردة المفاجئة إلى خطاب التشويه والتجريح والكراهية تخدم قوى الفوضى، وتعيد إنتاج بيئات حاضنة للإرهاب العابر للقارات.
إن كان هناك من درس واحد مستفاد من التاريخ المعاصر فهو أن اللعب بورقة التطرف، ولو تكتيكياً، ينتهي دائماً بنتائج عكسية. لذلك، فإن نهج الاعتدال الذي ترعاه الإمارات ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة أمنية واستراتيجية لدول المنطقة.
من أكثر السرديات تهافتاً وبجاحةً حالياً الادعاء بوجود تحالف إماراتي- اسرائيلي وأن الإمارات "دولة وظيفية"، أو كما وصفها أحد غلاة الأمة أو "مطية غبية ركبتها الصهيونية"، أو "حصان طروادة" ينفذ خططاً لتقسيم الدول العربية. هذه الـرواية التآمرية المتخيلة تُسوَّقها أصوات نكرة مدعومة بجهود ضخمة في منصات إعلامية رسمية وعبر خلايا نشطة في الشبكة العنكبوتية.
لا يخفى على أحد أن الامارات حالها حال ست دول عربية أخرى و12دولة إسلامية في مقدمها تركيا و164 دولة تقيم علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل، لكن لا مجال لاختراع وهم تحالف اماراتي- اسرائيلي يستهدف نشر الفوضى في المنطقة وهدفه تهديد الأمن القومي السعودي.
كيف يمكن لدولة جعلت من ازدهار الدولة الوطنية العربية واستقرارها أولوية قصوى أن تكون معنية بتفتيتها؟ وكيف يُعقل أن تُتَّهَم دولة ساهمت في دعم الاستقرار الإقليمي بأنها تعمل ضده؟ الواقع أن الإمارات جعلت من مكافحة التطرف، ودعم الاستقرار، والتركيز على التنمية، ركائز ثابتة في سياستها الداخلية والخارجية. وهي مواقف موثقة في أدوارها الإقليمية المتعددة.
التشكيك في نيات الإمارات حيال أمن المنطقة والسعودية تحديداً واستقرارها، عبث ويتجاهل حقائق ووقائع دامغة في التاريخ القريب. فقد وقفت الإمارات مع مصر في العسر واليسر لتحافظ على استقرارها، كما وقفت إلى جانب السعودية في أكثر من محطة مفصلية. فخلال حرب تحرير الكويت عام 1991 وقفت الإمارات دفاعاً عن حدود السعودية الشمالية. وفي عام 2011 كانت الإمارات سباقة لدعم أمن البحرين واستقرارها والدفاع عن حدود السعودية الشرقية. كذلك في حرب اليمن عام 2015 لبت الإمارات نداء الدفاع عن حدود المملكة الجنوبية. وفي مرحلة الربيع العربي قادت الإمارات معركة التصدى لقوى الإرهاب والفوضى على امتداد الوطن العربي. لا أحد ينكر ذلك إلا جاحد.
لا يمكن لعاقل أن يصدق أن الإمارات التي وقفت جنباً إلى جنب مع السعودية في أكثر من أزمة تسعى الى زعزعة أمن السعودية واستقرار ها. هذا اتهام باطل. فأمن السعودية واستقرارها من أمن الإمارات واستقرارها والعكس. هذا الاتهام لا يستند إلى منطق ولا يستمد مشروعيته من وقائع. هناك خيط رفيع بين الادعاء والحقيقة وبين الوهم والواقع. وأحدهم يعيش الوهم.
مواقف الإمارات الداعمة لأمن السعودية لم تكن تكتيكية، بل جسدت إقتناعاً راسخاً بأن أمن دول الخليج العربي كلٌّ لا يتجزأ. هذا الموقف الإماراتي موثق في اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك التي تنص على أن اي اعتداء على دولة خليجية هو اعتداء على بقية دول مجلس التعاون الخليجي. فكيف يُعقل بعد ذلك أن تُتهم الإمارات بالسعي إلى زعزعة أمن المملكة؟
ماذا كان سيحدث لو تركت الإمارات السعودية وحدها في حرب اليمن والصواريخ الحوثية على حدودها تستهدف مدنها؟ لقد ساهمت الإمارات مع أبطال الجنوب العربي في تحرير 80% من مساحة اليمن من سيطرة الحوثيين، وهو ما يخدم مباشرة أمن الحدود الجنوبية للسعودية، ودفعت الثمن باهظاً. لو بقي الجنوب العربي خاضعاً لسيطرة الحوثي، أو تحوّل إلى ملاذ آمن للتنظيمات الإرهابية لكان هذا سيناريو كارثياً لأمن السعودية واستقرارها . أليس هذا الدور الإماراتي خدمة مجانيّة للحفاظ على الأمن السعودي والخليجي؟
إما السودان، فكل الادعاءات أن الإمارات تمول أو تسلح طرفاً ضد طرف، قامت الإمارات بنفيها مراراً وتكراراً وبشكل قاطع. وفي هذا السياق، يمكن القول إن إرسال السعودية وغيرها من الدول، السلاح والعتاد إلى الجيش السوداني المخطوف من قوى ظلامية هو الذي يطيل عمر حرب سودانية عبثية ممتدة لأكثر من 1000 يوم. ست دول ترسل السلاح إلى حكومة سودانية ترفض الهدنة ومسؤولة عن استمرار الحرب في السودان. هذه الدول، وليست الإمارات، هي المسؤولة عن جرائم الحرب التي يرتكبها الجيش السوداني ضد شعبه.
لذلك، لا علاقة للخلاف الإماراتي- السعودي بتهديد الامن الوطني السعودي بل بمزاج غاضب في الرياض، ورب العالمين وحده يعرف حقيقة هذا الغضب. لغز غضب الرياض محير. والغضب أصلاً ليس من شيم القادة بخاصة عندما يكون السبب مبهماً.
قد يكون غضب الرياض محاولةً للتغطية على إخفاقات بدأت تتكشف إبعادها أخيراً. مهما كان السبب فمن المعيب تغطية إخفاقات عبر توزيع اتهامات لم ينزل بها سلطان.
ان الخلاف السعودي مع الإمارات ليس أمنياً كما تروج ماكينة الدعاية الضخمة. ربما هو اقتصادي، يعكس عجزاً في منافسة نموذج تنموي جاذب. وربما أيضاً السبب شخصي وذهني. فهناك من لا يزال أسير عقلية "التابع والمتبوع"، ولديه عقدة "الأخ الأكبر" الذي يأمر فيطاع. تجاوزت الإمارات مرحلة التابع والمتبوع وترى أن الشراكة الحقيقية تقوم على مبدأ الاحترام المتبادل وتوازن المصالح.
لا مكان في السياسة الإماراتية لعقلية الهيمنة، ولا سمع وطاعة لأخ أكبر تصالح مع غلاة الأمة الذين هم أشدّ خطراً من غزاة الأمة. ولا قبول لدى الإمارات بعلاقة ثنائية غير متكافئة. فإما شراكة تقوم على احترام متبادل ومسؤولية من مسارين متوازيين، وإما لا تكون. للرياض دورها وللإمارات دورها في أمن الخليج العربي واستقرار المنطقة. تريد الرياض أن تكون أبوظبي تابعاً ولن تكون.
استقلال القرار الاستراتيجي والسيادي خط أحمر إماراتي. الإمارات لا تساوم على قرارها السيادي لكنها لا تبحث عن صراع، بل عن تعاون واستقرار، ولم تبنِ سمعتها عبر نشر الفوضى، بل بنت سمعتها ومكانتها وحضورها بجهدها ومن خلال نشاط ديبلوماسي متزن ومتوازن. أما السرديات التي انطلقت من عقالها أخيراً تتحدث عن "محور تفتيت"، فهي انعكاس لخيال سياسي مأزوم أكثر مما هي توصيف لواقع معلوم. فالرياض ليست أكثر حرصاً من أبوظبي على أمن الدولة الوطنية العربية واستقرار ها.
في النهاية، قد يعلو الضجيج والزبد أحياناً، لكن الزبد يذهب هباء سريعاً والتاريخ لا يدوّن الصراخ الأجوف، بل يدوّن الأفعال، والإمارات دولة أفعال، وسجل أفعالها عامر، وسلوكها الخارجي يؤكد أنها دولة اعتدال وقوة استقرار وركن من أركان السلام الإقليمي والعالمي.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الولايات المتحدة
2/25/2026 10:40:00 PM
صورة لـ "ستيفن هوكينغ" في ملفات جيفري إبستين تُعيد الجدل حول رحلته إلى جزر العذراء
الولايات المتحدة
2/25/2026 8:50:00 PM
واشنطن تشترط اتفاقاً نووياً دائماً مع إيران...
الولايات المتحدة
2/24/2026 9:25:00 PM
تشغل أنظمة رادار متطورة بتقنية (LPI)، التي تسمح لها بمسح ورصد الأهداف في عمق الأراضي المعادية دون أن تكتشف hgرادارات وجودها أو تردداتها.
سياسة
2/25/2026 5:10:00 PM
القوات اللبنانية: الفنان رشدان إنسانٌ حرّ يتمسّك بحريته
نبض