مفاوضات جنيف تحت سقف التصعيد... فهل تنقشع ملامح المرحلة المقبلة؟
حسين سعيد
تنطلق جولة جديدة من المفاوضات الأميركية - الإيرانية في جنيف، في لحظة إقليمية ودولية دقيقة، وقد تكون أشد وضوحاً من سابقاتها في اختبار جدية الأطر التفاوضية وحدود التنازلات الممكنة. فالغموض الذي يلف المشهد لا يقتصر على تضارب التصريحات، بل يمتدّ إلى طبيعة الأهداف الحقيقية لكل طرف: أنحن أمام مسعى لضبط التصعيد، أم أمام محاولة لإعادة صوغ التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة؟
التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب حول احتمال تطوير إيران صواريخ قادرة على بلوغ الأراضي الأميركية، يقابلها نفي إيراني قاطع، في وقت أكد فيه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أن الإدارة تفضل التوصل إلى اتفاق مع إيران، وعلى طهران اغتنام هذه الفرصة. يعكس هذا التباين أسلوباً تفاوضياً يقوم على رفع سقف التحذير، مع إبقاء باب التسوية مفتوحاً.
في صلب النقاش، يبقى الملف النووي أولوية أميركية وغربية أساسية، بينما يُنظر إلى ملف الصواريخ بوصفه هاجساً إسرائيلياً مباشراً. من هنا، قد تظهر صيغة تفصل بين المسارين: معالجة دقيقة ومشددة للبرنامج النووي، في مقابل مقاربة مختلفة أو مؤجلة في ما يتعلق بالصواريخ.
وشهدت التجربة السابقة للاتفاق النووي في عام 2015 تقليصاً واسعاً للمخزون النووي الإيراني ونقل القسم الأكبر منه إلى الخارج، مع إبقاء كمية محدودة داخل البلاد تحت رقابة مشددة، وهذا يوفر ضمانة زمنية ويمنح طهران هامشاً سيادياً رمزياً، ويُتيح للأطراف الأوروبية مخرجاً ديبلوماسياً يحفظ توازن المصالح.
وربما يبرز اقتراح جديد بنقل نصف المخزون إلى دولة أخرى، مع إبقاء النصف الثاني تحت إشراف دولي مشدد، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات. مثل هذه الصيغة تمنح واشنطن ضمانة زمنية تُبعد شبح التصعيد النووي، وتمنح طهران هامشاً سيادياً، وتتيح للأطراف الأوروبية مخرجاً ديبلوماسياً يحفظ التوازن الإقليمي.
غير أن المشهد أشد تعقيداً من البعد النووي وحده. فإيران تمتلك أوراق تأثير إقليمية متعددة، وقد توظفها ضمن تسوية أوسع إذا لمست جدية في رفع الضغوط الاقتصادية. في المقابل، تتحدث تقارير إعلامية عن احتمال حصولها على معدات دفاع جوي متطورة من روسيا أو الصين، وهو أمر - إن ثبت - يزيد حسابات أي مواجهة تعقيداً. فإيران تمتد جغرافياً على مساحة واسعة، ولها حدود مع سبع دول، وتطل على مضيق هرمز وبحر عُمان، ما يمنحها قدرة تأثير مباشرة في أمن الطاقة والممرات البحرية.
يبقى السؤال الجوهري: هل إيران مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة؟ تشير التجربة التاريخية إلى أنها دولة براغماتية عندما يتعلق الأمر ببقاء النظام. فهي قادرة على المواءمة بين خطابها العقيدي ومتطلبات الدولة، وتعيد تقديم أي تسوية بوصفها إنجازاً يحفظ الكرامة الوطنية لا تراجعاً عنها. لكنها، في المقابل، لن تقبل بما يمس جوهر منظومتها الردعية أو يهدد توازنها الداخلي.
وعليه، قد لا تكشف مفاوضات جنيف عن إمكانية اتفاق فحسب، بل عن ملامح توازن جديد في المنطقة، يقوم على إدارة المخاطر لا إنهاء الصراع. وربما يكون هذا الغموض القائم اليوم مقدمة لتسوية معقدة، تعكس تعقيد المرحلة نفسها.
نبض