إذا كان العالم الألماني كارل ريتشارد لبسيوس، أوّل من أشار إلى وجود قانون النَسَبِ عند المنحوتات، وحاول تطبيق هذا القانون، على الرسوم المنحوتة على جدران "الدولة القديمة" في بلد الكنانة، متتبعاً الخطوط الحُمر الظاهرة عليها، فالفنّان رودي رحمة قد نحت منحوتات عديدة، تخطّى من خلالها الادراك الأحمر، إلى نبل رسالته التي ليس لها حدٌّ، لأنّ نسب كلّ منحوتة نحتها روحٌ وإزميلٌ.
المصلوب من دون صليب، في كنيسة مار إلياس انطلياس، قطعة فنيّة تشعّ حالة روحيّة، بجمال خالد وعمق روحاني، وتدلّ فيما تدلّ، على فنِّ رحمة الاستثنائيّ. وأنت تشاهد التمثال، تخال نفسك وقد إلتحمْتَ بالتاريخ، تقف أمام الشيخ "عقل عماد" الذي أعلن الثورة في عاميّة 1840. ومن قال إنّ السيد المسيح لم يكنّ في حينه مع الثوّار الذين وقفوا في وجه الطغيان والاحتلال؟ نزل عن صليبه ووهبه للمقاتلين، فجمَع الصليب ظلمهم وحوّله عزيمة، وبعد القتال تناتشوا النصر، وأضاعوا رمزيّة التضحية. وأصبح مذ ذاك الحين لكلّ مقاتل يقاتل بصدقٍ زوداً عن الوطن، صليبٌ من دون "قيروانيّاً"، لأنّ صليب الوطن كبير.
لم يعلّق رودي رحمة يسوع على صليبٍ، فلم يكن صليب المصلوب وهماً، على الرغم أنّ الأوهام ثابتة في وطن الأرز لا تتزحزح. هل هذه رسالة واضحة، من فنّان نحت روح فداءٍ سرياليّة لثوّار وقفوا في وجه العدوان أَنّى أتى، كي يجتمعوا على معنى التضحية؟ فإذا اجتمعوا من اتّجاهين مختلفين، بحسب دلالة عارضة الصليب الأفقية، وسجدوا عل أرض الوطن عند تماسها مع العارضة العاموديّة، ارتفعوا معاً بالوطنيّة في اتّجاه سماوات عليّة، دلّت عليها تلك العارضة الشامخة غير المنظورة، فهل أنّ لقاء الأضداد على محبّة بلد الأرز، يحوّل وهم وطنٍ موجوعٍ حقيقة وجودٍ لا تزول كحقيقة خشبة صليب الخلاص؟
إنّ كلّ شوكة من إكليل الشوك الذي وُضع على رأس يسوع، ترمز إلى نوع من الخطايا عند البشر، وقد أسالت الدم من هامة المخلّص. وها هنا خرج طيف الإله من التمثال، فقد سئم الصمت على خطايا البشر العديدة. وكأنّي بالنحّات قد أدخل روح المنحوتة في صراع مع الذات، وجعل هذه الروح تخرج إلى حيث السماء تضيئ رغباتها بلقائها مع المختارين حول مائدة الحمل. فتخلّى المصلوب عن صليبه ولم يتخلَ عن تضحيته، وارتفع إكليل الشوك وإتّسعت دائرته بإتساع آلامنا، وتناثرت أشواكه العديدة. فهل هذه رمزيّة المغفرة؟ وبقي المصلوب معلقاً بطرف الإكليل ينتظر تناثر بقيّة الأشواك، جاهداً لوهب الغفران لكل إنسان زرع شوكة من دون وردة في أرض الوطن وندم.
سلام لمن تشقشقت أعينهم بدمع انتظار خلاص الوطن، سلام لمن كانت مآقيهم أنهار ندم في نجيع الغفران، سلام لمن عانقت جباههم مجد التضحية، سلام إلى الذين اطمأنّت أفئدتهم بأنوار الصليب. فأين صليبك أيّها المخلّص لتفتديهم؟ وقد نحتك رودي رحمة من دونه، هو العالِم أنكّ وهبته للذين يطمحون بصدق إلى نقي الخلاص، كإبريز النقاء الخارج من المنحوتة والمسيطر على الكنيسة.
نبض