"مجلس السلام" في غزة، هل غيّر ترامب في نظرية أرسطو؟
صرّح السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي في مقابلة بـ "أنه لا يرى مانعاً من استيلاء إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط بأكملها".
تصريحات هاكابي لم تقف عند حدود فلسطين، بل امتدت لتشمل الشرق الأوسط كاملاً مرتكزاً على نص توراتي يشير إلى أن "أرض إسرائيل من نهر النيل إلى الفرات".
نددت دول عربية وإسلامية في بيان مشترك بتصريحاته هذه، واعتبرت أنها تحمل في خلفياتها نوايا تؤكد عملية التنسيق المشتركة بين واشنطن وتل أبيب، وهذا ما يثير الدهشة والتساؤل معاً حول جديّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في التحشيد الدولي لتفعيل "مجلس السلام لأجل غزة" في سبيل إعادة الإعمار.

في الوقت الذي كانت تصريحات هاكابي تتفاعل، كان ترامب يفتتح في واشنطن الاجتماع الأول لـ"مجلس السلام"، حيث تعهدت فيه دول عدة بتقديم مساهمات مالية وبشرية لإعادة إعمار القطاع. واللافت أن الاجتماع شاركت فيه أكثر من 47 دولة، بعضها أعضاء في المجلس، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي بصفة "مراقب"، وبحث إعادة الإعمار وتأمين الاستقرار في القطاع الفلسطيني، بعد الحرب المدمرة، إذ بلغت المساهمات الأوّلية نحو خمسة مليارات دولار.
في مقاربة ومقارنة لما صرّح به هاكابي، أحد المقربين من الإدارة الأميركية، يتّضح أن آلية تحقيق هذا المجلس لم تزل تتمثل في هيولتها الأولى، إذ إن الانتقال إلى تحقيق الصورة والكمال النهائي يحتاج إلى خطوات عملانية أكثر جدية، منها تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط، والدفع بالإسرائيلي إلى وقف اعتداءاته وممارسة أعماله الإجرامية بحق الفلسطينيين.
على قاعدة نظرية القوة والفعل التي طرحها الفيلسوف اليوناني أرسطو يسير مجلس السلام الترامبي. فهذه النظرية تعدّ ركيزة ميتافيزيقية لتفسير الوجود والحركة، حيث تمثّل "القوة" إمكانية الشيء أو مادته "الهيولى" القابلة للتشكل، بينما "الفعل" يبقى في تحقيق الصورة أي الكمال النهائي للشيء. فالحركة هي عملية انتقال مستمر من القوة إلى الفعل حيث يسعى الوجود دائماً للوصول إلى كماله.
يحدد البعض "الحركة" في اجتماع واشنطن، الذي يجسد خطوة احتمالية للوصول إلى تحقيق الهيولى المتمثل في صورة القطاع في حالة ما بعد الإعمار. وإن رصد مليارات الدولارات من قبل أعضاء المجلس، والإقرار بالدفع إلى تشكيل جيش دولي لفرض النظام والأمن، دلالة واضحة على انتقال صورة غزة الكاملة من القوة إلى الفعل. لكنه ورغم الديناميكية التي تتجلى في حماسة ترامب وإدارته، الممتزجة مع الاندفاعة الدولية المشاركة والمساهمة في تفعيل مجلس السلام لأجل غزة، فهناك واقعية تحمل الكثير من العقبات التي تؤكد أن الشيء الكامل المنتظر قد يكون هجيناً، وما التصريحات، التي أدلى فيها هاكابي إلا نموذجاً للنوايا الأميركية التي لا تتطابق مع الرؤية السلمية للقطاع، ولا سيما أنه لم يصدر عن وزارة الخارجية ولا الإدارة الأميركية أي إدانة أو شجب لما تمّ التصريح به.
في أرض فلسطين، هناك حكومة إسرائيلية أقل ما يقال عنها إنها يمينية متطرفة، وعلى رأسها بنيامين نتنياهو، الذي عبّر في إحدى مقابلاته المتلفزة عن حلمه ببناء دولة إسرائيل الكبرى، وهي نفسها التي ذكرها هاكابي.
واللافت أنّ من يقدم على طرح مجلس للسلام لا يأتي في تقاريره على إدانة ما تفعله إسرائيل في الضفة الغربية والقدس من توسيع للاستيطان، وقتل وترهيب وتهجير للفلسطينيين. هذا ما يؤكد أن الهيولي الترامبي أقوى من الهيولي الذي يجسد "مجلس السلام"، ليبدو أن الانتقال إلى الصورة النهائية لبناء إسرائيل الكبرى، الذي تحدث عنها هاكابي، بات أوضح من الانتقال إلى "هيولى" قطاع غزة كقطاع للسلام، أي "ريفييرا الشرق".
عرض أرسطو لنظريته على اعتبار أنّ القوة تمثل "هيولي" يمكن الانتقال به عبر الحركة إلى حالة "الفعل"، وتمثيله على أرض الواقع، فيأتي التطابق بين القوة والفعل. ولكنّ الغريب لدى ترامب في رسمه للصورة الأولى في مؤتمر واشنطن حول مجلس السلام، والتي - على ما يبدو - لم تكن هي نفسها الصورة الكامنة في نوايا إدارته، ما سيشكل عثرة حقيقية عند الانتقال من القوة إلى الفعل، إذ ستتمثل تلك العثرة في الدول الأعضاء الرافضة لغزة ترامبية في الوقت الذي يجب أن تكون فلسطينية.
عثرات كثيرة أمام محاولة ترامب للتلاعب بنظرية أرسطو، منها ما يتجلى بالفلسطيني، الذي بات واضحاً في رفضه لفكرة التهجير وما يحدث على معبر رفح، إضافة إلى التنديد العربي والإسلامي والدولي بتصريحات هاكابي، التي ستشكل قوة رادعة لأي مسار يعمل على التلاعب في "هيولي" مجلس السلام.
لهذا قد يسلك مجلس السلام طريقه من القوة إلى الفعل، إن هدف إلى نزع سلاح الفصائل الفلسطينية وأعاد بناء القطاع لسكانه، وربطه ضمن الدولة الفلسطينية منتظراً الاعتراف بها. وغير ذلك فلن يكون ترامب آرسطياً.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض