عندما يتحدث سفير أميركي عن أساطير إسرائيلية

آراء 25-02-2026 | 05:17

عندما يتحدث سفير أميركي عن أساطير إسرائيلية

أثارت تصريحات مايك هاكابي السفير الأميركي في تل أبيب عن "إسرائيل الكبرى" عاصفة شديدة من ردود الفعل العربية والدولية. وسبق لمثل مضمونها أن ورد على لسان مسؤولين إسرائيليين من اليمين المتطرِّف...
عندما يتحدث سفير أميركي عن أساطير إسرائيلية
مايك هاكابي (أ ف ب)
Smaller Bigger

أثارت تصريحات مايك هاكابي السفير الأميركي في تل أبيب عن "إسرائيل الكبرى" عاصفة شديدة من ردود الفعل العربية والدولية. وسبق لمثل مضمونها أن ورد على لسان مسؤولين إسرائيليين من اليمين المتطرِّف، وهي تناولت مقولة غريبة عجيبة وردت في أسطورة الميعاد في سفر التكوين – 18، والتي قال فيها إلَه "يهوه" للنبي إبراهيم "لنسلِك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير إلى نهر الفرات". وهاكابي قال رداً على سؤال مُعدّ من الصحافي الأميركي تاكر كارلسون: لا أرى مانعاً إذا سيطرت إسرائيل على الشرق الأوسط.

 

هاكابي ينتمي إلى صقور الحزب الجمهوري، وسبق أن كان حاكماً لولاية أركنساس لمدة 10 سنوات قبل أن يُعيَّن سفيراً للولايات المتحدة الأميركية، ومعروف عنه تأييده لإسرائيل. وذكر ذلك جهاراً عندما أعلن ترشيحه للرئاسة في عام 2016، وهذه الاعتبارات تعطي قوة استثنائية لتصريحاته، كما تُحملها لغزاً يحتاج إلى فِكاك. ولا يخفِّف من قوتها التوضيح الذي صدر عن الإدارة الأميركية، وهي اعتبرت أن تصريحات هاكابي فهمت على غير مقاصدها، وأن الولايات المتحدة الأميركية تتمسَّك بسياستها حيال الشرق الأوسط، وهي تحترم استقلال الدول المعنية بتصريحات سفيرها، ولديها علاقات متينة مع الأصدقاء منهم. 

 

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

 

عاصفة الاستنكار الواسعة التي تناولت بالإدانة تصريحات هاكابي، شملت دولاً على علاقة ممتازة بالإدارة الأميركية. والردود عليها حملت توضيحات موضوعية يبدو أنها لا تصل إلى مسامع كوادر الجمعيات الأميركية التي تتبنَّى التفسير "الصهيوني" لبعض ما جاء في أساطير "سفر التكوين". ومعروف أن بعض "الأسفار" نُقلِت على غير حقيقتها عندما تمَّ تدوين العهد القديم، كما أعطيت تفسيرات لا تتلاءم مع مقاصدها على الإطلاق. ويمكن العودة في هذا السياق الى محاضرة الحاخام Elmer Berger، الرئيس الأسبق لرابطة الدفاع عن اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية، وهو قال: لا يمكن لأي انسان أن يقبل بكون زرع إسرائيل على أرض عربية هو تحقيق لنبوءة توراتية (راجع كتاب روجيه غارودي، الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، دار عطية للطباعة والنشر، بترخيص من المؤلف، بيروت 1997، صفحة 44).

 

ومراجع دحض الأساطير الإسرائيلية في هذا السياق تطول، وربما أهمها ما ورد في المرجع ذاته (ص 42)، كون وعد يهوه لإبراهيم كان هدفه توفير مراعٍ لمواشي أتباع ابراهيم على هذه البقعة الواسعة من الأرض، علماً أن اتباع النبي إبراهيم هم كل الموحدين لرب العالمين، ومنهم لاحقاً المسيحيين والمسلمين من السلالة السامية، وليس اليهود حصراً.

 

السفير هاكابي ساند قصداً أو من حيث لا يُدرك، الجماعات المُتطرِفة التي تدعو إلى طرد السكان العرب الأصليين من أرضهم في فلسطين والجوار، وأعطى دفعاً للمنظمات التي تتبنَّى الهوى الصهيوني الذي أرساه تيودور هيرتزل، وأهمها جمعية EYAL التي أقسم أعضاؤها على قبر هيرتزل بقتل كل من يتنازل عن أرض للعرب، والجمعية تبنَّت عملية الاغتيال الذي نفذها يغئال عامير ضد رئيس الورزاء الأسبق إسحاق رابين في 25/2/1995.

 

وتنامي حالات التطرُّف هو الذي يشكِّل الخطر الأكبر على إسرائيل، وسيؤدي إلى تراجع الدول العربية المعتدلة عن مواقفها التي تؤيد التطبيع معها بعد الإعتراف بالدولة الفلسطينية، والتطرُف ذاته يطعن بالمقاربات الحوارية في الصميم، ولا سيما منها مبادرة "التفاهمات الابراهيمية" التي كانت قد بدأت بالفعل بين فروع الديانات الإبراهيمية الثلاث.

 

والمقاربات الإسرائيلية التي تعتمد على أساطير سياسية أكثر مما هي توراتية، هي التي تشكِّل الخطر الفعلي على إسرائيل، وهي مقاربات مُدمرة لا يمكن أن يعطيها الاختلال في موازين القوة العسكرية فرصةً للحياة، سواء لناحية تغذية ثقافة القتل كونها فريضةً عقائدية، أو لناحية الترويج لمقارباتٍ جيوسياسية انفلاشية، تهدف الى تغيير حدود الدول والسيطرة على مناطق عربية مجاورة واسعة من النيل إلى الفرات، وعلى هذه الأرض ما يزيد عن 200 مليون من السكان العرب بنوا دولاً وحضارات مدى أكثر من ألف واربعمئة عام. فأين ستذهب إسرائيل بهؤلاء إذا كان طموحها فرض السيطرة على هذه البقعة الجغرافية الأهم في العالم؟

 

 اعتماد إسرائيل على بعض المجموعات المُنحرفة التي تجهد لتشويه تاريخ شعوب المنطقة، ولا سيما منها من أطلق عليهم الاستعمار سابقاً "الأقليات"، لا تفيدها بتنفيذ مخططاتها المعادية. وهي قد تنجح بواسطة هذه المجموعات بافتعال توترات مجتمعية – خصوصاً في سوريا التي فشلت في فرض العدالة والمساواة بين أبنائها كافة – ولكنها بهذه الأفعال تساعد في تجميع الغالبية الساحقة من الشرائح الشعبية في الدول المعنية بأطماعها حول منهجية تصدي لمخططاتها. والتطور التقني والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني لن يمكنها من النجاح في فرض مقارباتها التفتيتية. والصواريخ والطائرات الحديثة؛ لا يمكن أن تعوِّضها الاختلال الناتج من فشلها في السيطرة الميدانية، فهي لو استطاعت أن تحتلّ بعض المساحات المأهولة من الأرض، لا تستطيع أن تبقى فيها الى أمدٍ طويل، ولن تتمكن من حماية قواتها على الإطلاق. أما اعتمادها على نافذين في الإدارة الأميركية؛ فلن يدوم. لأن الاستراتيجية الأميركية الجديدة رفعت شعار "أميركا أولاً" وجنوح إسرائيل لا يخدم هذا الشعار .

 

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اسرائيليات 2/24/2026 6:30:00 AM
تحدث الإعلام الإسرائيلي عن أن ترامب قرر تغيير نهجه بالكامل، والانتقال من خيار الضربة المحدودة إلى تبنّي استراتيجية "السحق الطويل الأمد". 
تشغل أنظمة رادار متطورة بتقنية (LPI)، التي تسمح لها بمسح ورصد الأهداف في عمق الأراضي المعادية دون أن تكتشف hgرادارات وجودها أو تردداتها.
ايران 2/24/2026 9:46:00 PM
حذّرت إسرائيل من أن "إبرام اتّفاق مع طهران سينقذ النظام الإيراني الحالي".
لبنان 2/23/2026 11:54:00 PM
لا عاصفة قطبية هذا الأسبوع… منخفض بارد وأمطار وثلوج على الجبال