لا مواطنة دون توحيد الأحوال الشخصية
جورج بطرس اسطفان*
هل كنّا في لبنان نتوقّع فعلًا إمكانية تحقيق وعود خطاب القسم (كانون الثاني 2025) والبيان الوزاري (شباط 2025) خلال هذه المهلة الوجيزة، بعد سنوات طوال عجاف.
فان استبعدنا مستعصيات ما يحدث يوميّا من خلال الحدود الجنوبية، وتكرارّا ما وراء الحدود الشرقية، وتمعّنا، بغبطة وحذر، في ملاحقة القضاء ما جرى في المرفأ (4 آب 2020)، عدا التشريع بخصوص عجز الموازنة وإفلاس المصارف واستعادة حقوق المودعين، لا نُغفل مشقّة التفاوض على قانون الانتخابات النيابية والتنازع حول تصويت غير المقيمين.
تعود بنا الذاكرة الى مخاتير وبلديات ونوّاب مُدِّد لهم ما ينيف على ربع قرن. وفي الانتخابات مفارقات. في المختاريّة والبلديات ينقسم بنات وأبناء العائلات والأنساب والعصبيّات والجماعات والعشائر والأحياء والأرياف والمدن والمذاهب، كما المحازبين، وتعقد التحالفات المبهمة، المربَكة، القصيرة الأجل. لكنّ محادل المال والمذاهب تعود في الانتخابات النيابية الى الهيمنة بجانب المواجهات السياسية.
لا عجب، ترانا نتصبّح بالرحابنة ونتمسّى بالطرب الحلبي وسائر الشرقي، نتبارز في الزجل واقتناء السلاح، نشبك على الدبكة ونتشارك المازات والعادات، نطلق الرصاص ابتهاجًا ونثأر للشرف، نرطن باللغات الأجنبية، نكاد نتصاهر، نُنشد للأطفال الأغاني عينها. مفاخرات لم تنجُ من سخرية أغنية زياد "يا زمان الطائفيّة" (1981).
لا غَرْوَ، فما ذاك إلّا رغبة راسخة متقلّبة في العيش المشترك، منذ العثمانيين حتّى الانتداب والاستقلال. نادت به العاميّات منذ القائمقاميّتين (1842) فالمتصرفيّة (1861) فلبنان الكبير (1920) فالدستور (1926) فالإيقاف الأوّل للعدّ بعد إحصاء يتيم (1932) فالميثاق والاستقلال (1943) حتّى الجلاء (1946). ناهيك عن التحريرين، من العدو الإسرائيلي (2000) ومن جيش البعث السوري (2005).
أليس هو أيضًا العيش المشترك، لم تَنَل منه أحداث ما بعد أحلاف الحرب العالميّة الثانية (1958) ولا اتفاق القاهرة (1969) ولا حرب المخيّمات (1973). سعى إليه اتفاق الطائف (1989) بعد حروب الخمسة عشر سنة (1975-1991)، اللبنانية منها والمتلبننة. حروبٌ، عدا عن مجاعة بداية القرن العشرين، هجّرت مِرارًا البالغين والناشئة إلى غير رجعة. ولم يُفلح غياب المحاسبة في قانون العفو 91/84 (آب 1991) في العفو عمّا مضى.
أليس هذا أيضًا ما سعى إليه رئيس الجمهورية (شباط 1998) في مشروع قانون مدني موحّد للأحوال الشخصية والزواج المدني الاختياري، أقرّه مجلس الوزراء دون أن يرى النور. قُوبل حينها بتعارض واسع، بين رافض ومؤيّد يتساجلان حول العيش المشترك مرتابين على الوحدة الوطنية. سبقه مشروع قانون آخر للأحوال الشخصية والزواج المدني (1951)، منذ ٧٥ عامًا، أضربت لأجله نقابة المحامين في بيروت، عارضته نقابة طرابلس، دون أن تُحله الحكومة
إلى المشرّعين.
لكلّ ما سبق، اجتمع ناشطون في فرنسا وأطلقوا نداء باريس في الذكرى السادسة لانتفاضة 17 تشرين الأوّل 2019. سعوا، كمجموعة من داخل الوطن ومن غير المقيمين، إلى عاميّة متجدّدة لمواجهة الخاصيّات المتعدّدة الولاء، ر ِهانهم أنّ المنتفضين آنذاك راموا عقدًا اجتماعيًا يُعيد بناء دولة المساواة في الحقوق والواجبات، في روحيّة العيش المشترك والتجرّد من الانتماءات المتعدّدة، لا سيّما الدينيّة منها، لا يُدينون بالولاء إلّا إلى الدولة والمصالح العليا.
صدّرت الدعوة أولويّة إقرار قانون مدني موحّد للأحوال الشخصية. يغلّب الفرد على الجماعة، ضامن للحقوق والحرّيات الخاصّة والعامّة، يكرّس الزواج المدني على الأراضي اللبنانية، يعتمد المساواة في الإرث بين الإناث والذكور، كما حقّ الأم في إعطاء الجنسية لأولادها. قانون يحصر البتّ في الأحوال الشخصية بالمحاكم المدنية، ويعتمد فصل الدين عن الدولة ويُعلمن المؤسّسات، يصون حرّية المعتقد من أجل تكريس تجانس في المواطنة كمرجعيّة واحدة للجميع.
لِمَ لا نعود الى طموح المادّة 95 من الدستور، بتعديلاتها، تحدّق بنا منذ قرن وتترنّح بصبر عظيم. تلتمس العدل والوفاق وتمثيل الطوائف بصورة عادلة وتتلهّف الى الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية، بمراحل انتقالية، ما بات انتقالها يتعثّر، بإلغاء الطائفية السياسية، وهل تُلغى؟ وكيف؟
ألم يحن الوقت، ما بعد المؤقّت والطوعية، للتوجّه إلى الإلزام ولإعادة إدراج توحيد قوانين الأحوال الشخصية ضمن الأولويّات الوطنية، وتفعيل المادّة 95 باعتماد قانون انتخابي ينحو للمواطنة، وإصلاحات متدرّجة في التحديث القانوني والمؤسّساتي، تُسهم في الحدّ من الفدرالية المذهبية وتضمن العدالة، والمساواة، والتجانس الاجتماعي، والوطني.
*طبيب وناشط اجتماعي في باريس
نبض