بين الزعامة والقيادة: معايير الشرعية والتمثيل في لبنان
نزيه الخياط*
1- النفوذ السياسي والشرعية: بين استدعاء الغرائز وبناء القيادة
لا يمكن فهم النفوذ السياسي في لبنان خارج بنيته الاجتماعية المركّبة، حيث يتقاطع الإرث الطائفي مع التاريخ، والعاطفة الجماعية مع المصالح، والرمز مع الواقع. في هذا السياق، لا يُطرح السؤال الجوهري حول من يحكم فحسب، بل حول كيف يُصاغ النفوذ السياسي، وعلى أي أساس تُبنى الشرعية: أهي شرعية الاسم والموروث والقدرة على الاستنهاض الغرائزي، أم شرعية الأداء والإنجاز والقدرة على مخاطبة العقل الجماعي؟
من هنا، يبرز التمييز بين الزعامة الموروثة والقيادة المصقولة كمدخل أساسي لفهم آليات إعادة إنتاج السلطة. فالزعامة قد تُمنح، أو تُورَّث، أو تُستعاد بالرمز، فيما تُبنى القيادة بالتجربة، وتُختبر بالأداء، وتُثبّت بالقدرة على تحويل النفوذ إلى مشروع عام. وبين هذين المسارين، تتشكّل أزمة السياسة اللبنانية، ويتعثر بناء الدولة كلما طغت الغريزة على العقل، والانفعال على المحاسبة، والرمزية على الإنجاز.
تقوم الزعامة، في جوهرها، على الكاريزما والتعبئة العاطفية، وعلى استدعاء المخزون الغرائزي والمظلومية التاريخية بوصفها أدوات نفوذ. أما القيادة، فهي وظيفة عقلانية بالدرجة الأولى، تقوم على الرؤية، وعلى تحويل الوعود إلى سياسات، والانفعالات إلى برامج، والجمهور إلى شركاء في مشروع وطني عام. وفي التجربة اللبنانية، غالباً ما يُختزل النفوذ السياسي في القدرة على تحريك الشارع، لا في القدرة على إدارة الشأن العام، فتُقاس القوة بمدى السيطرة على الجماعة لا بمدى خدمة المجتمع.
2- علم النفس الجماهيري والاستتباع: حين يُضحّي الجمهور بمصالحه
يؤدي علم النفس الجماهيري دوراً حاسماً في ترسيخ الزعامات، خصوصاً في المجتمعات المأزومة والمنقسمة. فحين يُحاصر الجمهور بالخوف والقلق وانعدام اليقين، يصبح أكثر قابلية للانقياد وأقل ميلاً إلى التفكير النقدي. عندها، يُعاد تشكيل الوعي العام عبر خطاب ثنائي مبسّط يقوم على منطق “نحن” في مواجهة “هم”، حيث يستبدل بالسياسة الاصطفاف، وبالتحليل الشعار، وبالمساءلة الولاء الأعمى والطاعة.
تستثمر الزعامات هذا الواقع عبر خطاب شعبوي عاطفي، يُقدّم الزعيم بوصفه حامي الجماعة لا خادم الدولة والمجتمع . في المقابل، تفترض القيادة جمهوراً يُخاطَب بالعقل، ويُصارَح بالوقائع، ويُشرك في تحمّل كلفة القرار. ولهذا السبب تحديداً، تُعدّ القيادة أقل رواجاً في البيئات المنقسمة، لكنها وحدها القادرة على إنتاج استقرار سياسي وتنمية مستدامة.
الأخطر في هذا المسار أن الجمهور المستتبَع لا يكتفي بالانقياد، بل يضحّي بمصالحه الاقتصادية والاجتماعية والوطنية لمصلحة ولاءات عاطفية تُعطّل التفكير النقدي. وهنا تتحول السياسة من مجال للتدبير العام إلى مساحة إسقاط نفسي، تُفرغ فيها الجماعات مخاوفها وهواجسها بدل مواجهتها بأدوات عقلانية، ما يجعل الاستتباع وهيمنة منطق تبرير فشل الأداء من أشد مخاطر عوائق بناء الدولة.
3- إعادة تكوين السلطة: ائتلاف طائفي لا مشروع وطني
في هذا السياق، لا يعاد تكوين السلطة في لبنان عبر أحزاب تحمل مشروعاً وطنياً جامعاً، بل عبر ائتلاف طائفي غير معلن تتقاسم فيه الزعامات النفوذ مقابل الحفاظ على الانقسامات. هذا النموذج لا يسعى إلى حسن إدارة التعدد، بل إلى استغلاله واستثماره، ولا يهدف إلى بناء دولة، بل إلى ضمان استمرارية الزعامات داخل بيئاتها الخاصة وإلغاء المنافسين لها.
تُدار السلطة بمنطق الصفقات الانتفاعية والتسويات الظرفية التحاصصية لا السياسات العامة، وبحسابات التوازن الطائفي لا المصلحة الوطنية. وبدل أن يكون التنوع مصدر غنى سياسي، يتحول إلى أداة تعطيل ممنهج تُفرغ الدولة من مضمونها، وتختزلها بوظيفة توزيع النفوذ والغنائم من خلال نظام الزبائنية السائد، ما يُضعف أي إمكانية لتشكّل عقل جماعي جامع.
في ظل هذا النموذج، تُهمَّش فكرة المواطنة لمصلحة الانتماءات الأولية، وتُقاس الفاعلية السياسية بمدى القدرة على التعطيل لا بمدى القدرة على الإنتاج ، فتتحول الدولة إلى ساحة إدارة أزمات مزمنة لا إلى إطار جامع للتنمية والعدالة والاستقرار.
4- البيوتات السياسية والمشورة: من الإرث إلى المسؤولية
تُشكّل البيوتات السياسية أحد أعمدة الزعامة الموروثة في لبنان. فالزعامة قد تُورَّث بوصفها اسماً أو رصيداً رمزياً أو شبكة علاقات، لكن هذا التوريث يبقى توريثاً للموقع لا للوظيفة، وللرمز لا للقدرة. فالقيادة لا تُنقل بالدم، ولا تُختصر بالإرث، بل تُبنى بالخبرة وتراكمها وبالمراجعة النقدية البنّاءة، وتُصقل بالأداء، وتُختبر بالقدرة على تحويل الامتياز التاريخي إلى مسؤولية عامة.
عندما يفتقد الوريث ملكات القيادة، يلجأ غالباً إلى خطاب شعبوي تعويضي قائم على الوعود الفضفاضة واستدعاء العاطفة والمظلومية. وقد يحقق هذا التفافاً ظرفياً، لكنه يصطدم سريعاً بحدود الواقع، خصوصاً في البيئات المدينية التي تُنتج رأياً عاماً نقدياً يحاسب على الأداء والإنجاز والوعود غير المنفذة والمواقف ذات البعد الوطني العام.
في المقابل، تقوم القيادة الناضجة على توسيع دائرة المشورة والتبصّر، والانفتاح على النخب وأصحاب الاختصاص، وبناء القرار على المعرفة وتقدير التداعيات. وهنا لا يعود الفارق سياسياً فحسب، بل أخلاقياً أيضاً: بين من يرى السلطة تكليفاً ومسؤولية، ومن يتعامل معها كامتياز للانتفاع الشخصي أو العائلي.
استنتاج: الأثر معيار الشرعية
لا تضمحل الزعامة الموروثة فقط بفعل الزمن، بل بفعل عجزها الحفاظ على الموروث وعن إنتاج أثر عام قابل للاستمرار. فالسياسة التي تقوم على الاسم والرمز والولاء الغرائزي سرعان ما تصطدم بحدود الواقع الاجتماعي والاقتصادي، خصوصاً في مجتمع مديني ميزته أنه اختبر عبر تكوّنه كلفة هذا النموذج على مستقبله ودولته.
في المقابل، لا تُولد القيادة المصقولة بالأداء من الفراغ، ولا تُفرض بقرار فوقي، بل تتشكّل حين يُربط النفوذ بالمسؤولية، والخطاب بالإنجاز، والسلطة بالمحاسبة. وهي عملية بطيئة ومعقّدة في بلد كلبنان، لكنها ليست مستحيلة متى توفّرت شروطها السياسية والمجتمعية والثقافية والمؤسساتية.
تتجاوز الأزمة اللبنانية اليوم مسألة الأشخاص لتلامس منطقاً سياسياً كاملاً أعاد وما زال يعيد إنتاج الفشل بوصفه نمط حكم. فإما أن يبقى النفوذ أسير الوراثة والاستتباع الغرائزي، وإما أن يُعاد تعريفه على قاعدة الأداء والمساءلة والمحاسبة والمصلحة العامة. هذا التحوّل لا يتحقق بالشعارات ولا بالقطيعة اللفظية، بل بتراكم وعي عام نقدي، وبقدرة المجتمع على مساءلة ومحاسبة من يدّعي تمثيله.
من هنا، لا يبدو الانتقال من الزعامة إلى القيادة خياراً أخلاقياً فحسب، بل شرط لبقاء الدولة ذاتها. أما الرهان على استمرار النموذج القائم، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من التعطيل والتحلل والارتهان، إلى أن تفرض التحوّلات الإقليمية والدولية لحظة إعادة ترتيب قسرية، قد لا تكون بالضرورة لمصلحة لبنان الوطن النهائي لجميع أبنائه والتعددي بمجتمعه.
* أكاديمي - باحث في الشؤون الجيوسياسية
نبض