إيران: ماذا لو حدث ما لم يحدث؟

آراء 26-02-2026 | 04:06

إيران: ماذا لو حدث ما لم يحدث؟

بدا الانقسام في ما بين القوى التي ساهمت في الثورة يتضاعف مع كل خطوة تتم لبناء مؤسسات الدولة الجديدة ولا تحظى بموافقة بعض الفرقاء.
إيران: ماذا لو حدث ما لم يحدث؟
الخميني
Smaller Bigger

 وليد محمود عبد الناصر*

 

عندما يكون محط أنظار العالم الآن هو مشهد التصعيد المتواصل في التوترات الإيرانية الأميركية وما يصاحبها من وتيرة متزايدة من التحذيرات، تتزامن مع انطلاق عملية تفاوضية بين البلدين في مدينة جنيف السويسرية، سواء من جانب الدول العربية الواقعة في منطقة الشرق الأوسط وتركيا، أم من جانب أطراف دولية من خارج الإقليم، من مغبة أي عمليات عسكرية ستكون عواقبها كارثية على الإقليم وعلى العالم بأسره، فإن المرء لا يملك إلا أن يعود بالذاكرة إلى الوراء بعض الشيء، وتحديداً إلى المشهد السياسي الداخلي الإيراني في أعقاب انتصار الثورة الإيرانية في شباط/فبراير 1979. ويطلق المرء العنان للخيال السياسي ليفترض ماذا ستكون عليه نتيجة تسلسل الأحداث وماذا سيكون الموقف اليوم من جهة إيران تجاه الولايات المتحدة لو تصورنا حدوث سيناريو داخلي بديل لما حدث بالفعل على أرض الواقع في ما بعد شباط 1979. 

فإذا استرجعنا المشهد السياسي الداخلي في إيران في أعقاب انتصار الثورة الإيرانية مباشرة، نجد أنه كان متسعاً لكل أطياف الفكر والسياسة في إيران من تلك القوى التي شاركت في الثورة الشعبية ضد النظام الشاهنشاهي البهلوي، التي انطلقت شراراتها الأولى بعد اغتيال السافاك (المخابرات الإيرانية في عهد الشاه السابق) المفكر الإيراني الإسلامي التقدمي الكبير الدكتور علي شريعتي في حزيران/يونيو  من عام 1977، وتواصلت وتصاعدت حدّتها وكثافتها باستمرار منذ ذلك التاريخ، كما أن هذه القوى الفكرية والسياسية كانت قد ساهمت، وإن بدرجات متفاوتة، في إسقاط نظام الشاه السابق محمد رضا بهلوي. وكانت هذه القوى تشمل فصائل من اليسار والوسط واليمين، وتجمع بين فصائل علمانية أو غير دينية وفصائل متنوعة ومتعددة من داخل الإطار العريض للفكر الإسلامي بتفريعاته.
شملت قوى الثورة مثلاً أنصار نظرية "ولاية الفقيه" لآية الله الخميني الذين أسسوا لاحقاً "الحزب الجمهوري الإسلامي"، كما ضمت أنصار آية الله سيد محمود طالقاني، صاحب التوجهات الإسلامية التقدمية الواضحة، بخاصة بشأن الموضوعات الاقتصادية والاجتماعية، وضمت أيضاً أنصار آية الله شريعتمداري الذي كانت له توجهات تعددية ليبرالية وأسس أنصاره ما عرف بـ"الحزب الإسلامي الشعبي الجمهوري"، كما كان هناك أنصار الراحل الدكتور علي شريعتي المتفرقون على تنظيمات وتيارات عديدة، بالإضافة إلى منظمة "مجاهدي خلق إيران"،  التي كانت آنذاك تحمل لواء الفكر الإسلامي التقدمي أيضاً وتتنافس على ضم أنصار طالقاني وشريعتي إلى صفوفها. 
ولكن كانت هناك تيارات وأحزاب وتنظيمات كثيرة من خارج التيارات الإسلامية قد لعبت أدواراً مهمة في الثورة، فكانت هناك "الجبهة الوطنية الديموقراطية" التي كان يقودها هدايت متين دفترى حفيد الدكتور محمد مصدق، رئيس وزراء إيران الذي أمم صناعة النفط الإيرانية وتعرض بالتالي لانقلاب عسكري أطاح حكومته المنتخبة ديموقراطياً عام 1953، وهو صاحب التوجهات التي تجمع بين الوطنية والديموقراطية والليبرالية، كما كانت هناك بقايا "الجبهة الوطنية" الأصلية ذاتها التي قادها تاريخياً الدكتور مصدق، والتي كانت قد انقسمت إلى من وقف بجانب الشاه في أيامه الأخيرة أملاً في إصلاح من داخل النظام القائم مثل شهبور بختيار آخر رئيس وزراء في عهد الشاه، ومن كان قد انحاز إلى الثورة وتمسك بهذا الموقف حتى النهاية، ثم كانت هناك "حركة تحرير إيران" التي كانت تعتبر جسراً يربط بين التيارات الليبرالية والتيارات الإسلامية، ثم التنظيمات اليسارية على تعدد أطيافها ما بين حزب "تودة" الشيوعي  ومنظمة "فدائيي خلق إيران" الماركسية اللينينية ومنظمة "كادحي إيران"، وغيرها كثير، ويجب عدم تجاهل الأحزاب والتيارات المعبرة عن الأقليات في إيران والتي ساهمت بدورها في الثورة، بخاصة تلك التي كانت تمثل الأكراد والعرب والآذاريين وغيرهم.
وفي الأيام والأسابيع الأولى التي تلت انتصار الثورة، كان كل هؤلاء نشيطين في الشارع الإيراني، كل يروّج لمشروعه الفكري والسياسي في صفوف الشعب، في حالة أطلق عليها الكثير من المحللين والمراقبين آنذاك "ربيع طهران"، إلا أن وتيرة الأحداث سرعان ما تحركت في اتجاه مختلف عن المأمول استمراره وتحقيقه، وبدأ الانقسام ما بين القوى التي ساهمت في الثورة يتضاعف مع كل خطوة تتم لبناء مؤسسات الدولة الجديدة ولا تحظى بموافقة بعض الفرقاء، ورغم تعهدات كان الخميىني قد قطعها على نفسه أمام ممثلي المعارضة الإيرانية بمختلف أطيافها، عندما كان في منفاه في فرنسا وقبل عودته إلى إيران، تتعلق أساساً بالمشاركة السياسية الكاملة لكل القوى التي شاركت في الثورة وفي انتصارها في صوغ شكل النظام السياسي في إيران ومضمونه ومستقبله بعد الثورة، وهي التعهدات التي جعلت كل قوى المعارضة تلتف حوله باعتباره رمزاً للثورة، فإن بعض المحيطين به بعد انتصار الثورة دفعوا الأمور في اتجاه آخر مختلف عن الاتجاه التوافقي الذي كان مفترضاً انتهاجه والسير على خطاه في بناء الدولة الجديدة، وصار الرهان هو على حشد المؤيدين في الشارع والاعتماد على من يمسك فعلياً بمقاليد السلطة وأدوات القوة ومفاصل الدولة، وبالتالي جرت عملية استبعاد وإقصاء تدريجية، كانت سلمية في بعض الأحيان واتسمت بالعنف في أحيان أخرى، لشركاء في الثورة، تحوّلوا إلى المعارضة للنظام الجديد ومؤسساته، سواء معارضة تحت الأرض في الداخل أم معارضة في المنافي، وبدأ ذلك بالاختلاف على مسمى الدولة الجديدة، مروراً بالدستور الجديد وإدماج تظرية "ولاية الفقيه" في موقع مركزي فيه وفي هيكل السلطة الجديدة، ثم الانتخابات الرئاسية والنيابية، والصراع بين أول رئيس وزراء لإيران بعد الثورة المهندس مهدي بازرجان، زعيم "حركة تحرير إيران"، وبعض الدوائر المحيطة بالخميني وإطاحته، ثم الصدام بين أول رئيس للجمهورية الدكتور أبو الحسن بني صدر وأيضاً مع دوائر محيطة بالخميني، وربما يمكن القول إن العقد الأول عقب انتصار الثورة، وبالتزامن مع أزمة الرهائن الأميركيين في طهران (تشرين الثاني/نوفمبر 1979 – كانون الثاني/يناير 1981، وحرب الثماني سنوات بين إيران والعراق (1980 – 1988)، استنزفته تلك المواجهات والإقصاءات والتصفيات داخل صفوف معسكر القوى التي قامت بالثورة وساهمت في نجاحها. 
وشكل انتقال الكثير من تلك الفصائل التي كانت أصلاً شريكة في الثورة، إلى صفوف المعارضة السرية في الداخل أو المعارضة في المنافي في الخارج، عاملاً في تضاعف المعارضين للحكم الإيراني ولانفضاض الكثير من أنصار تلك الفصائل عن دعم التطورات السياسية التالية في إيران، سواء إزاء المسائل الداخلية أم الخارجية، ولربما لو لم يكن قد انفرط عقد القوى الوطنية التي شاركت في الثورة، على تعدد أطيافها، وكان قد تم إيجاد صيغة للمشاركة السياسية لتلك الفصائل، كان سيكون الوضع مختلفاً، ولو بعض الشيء اليوم، وكان سيكون الاصطفاف الوطني في مواجهة التحديات والضغوط الخارجية أكثر اكتمالاً وصلابةً، وربما في تلك الحالة كان سيكون الطرف الوحيد الذي يقف في المعارضة هو القوى المؤيدة لعودة أسرة بهلوي إلى الحكم في إيران، وهي بالتأكيد أقل قوة وشعبية بكثير من القوى المتنوعة التي تقف اليوم في خندق المعارضة في الخارج أو المعارضة السرية في الداخل، والتي تعمل من أجل سقوط الحكم الإيراني أو على الأقل تتمنى ذلك وتتطلع إليه، حتى لو جاء هذا السقوط بفعل طرف أو أطراف خارجية غير إيرانية.

*مفكر وكاتب مصري
 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الولايات المتحدة 2/25/2026 10:40:00 PM
صورة لـ "ستيفن هوكينغ" في ملفات جيفري إبستين تُعيد الجدل حول رحلته إلى جزر العذراء
تشغل أنظمة رادار متطورة بتقنية (LPI)، التي تسمح لها بمسح ورصد الأهداف في عمق الأراضي المعادية دون أن تكتشف hgرادارات وجودها أو تردداتها.
سياسة 2/25/2026 5:10:00 PM
القوات اللبنانية: الفنان رشدان إنسانٌ حرّ يتمسّك بحريته