الاستخبارات الألمانية في زمن ترامب: إعادة تعريف الشراكة مع واشنطن
لم يعد النقاش في برلين يدور حول ما إذا كانت ألمانيا بحاجة إلى تعزيز قدراتها الاستخباراتية، بل حول مدى السرعة والعمق اللذين يجب أن يتم بهما هذا التحول. فمع تزايد المخاوف الأوروبية من إمكانية استخدام تبادل المعلومات الاستخباراتية كورقة ضغط سياسية، وجدت ألمانيا نفسها أمام سؤال: ماذا لو قررت واشنطن تقليص تعاونها الأمني أو توظيفه في سياق تفاوضي ضاغط؟
الصدمة التي أحدثها قرار واشنطن تعليق تبادل المعلومات مع أوكرانيا في آذار/ مارس 2025 شكلت لحظة كاشفة للنخب الأوروبية. لقد أظهرت تلك الخطوة أن الهيمنة الأميركية في مجال جمع المعلومات يمكن أن تتحول إلى أداة نفوذ جيوسياسي. بالنسبة لبرلين، التي تعتمد بدرجة كبيرة على القدرات الأميركية التقنية والفضائية واعتراض الاتصالات، بدا الأمر بمثابة إنذار استراتيجي.

جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني BND تأسس عام 1956 في ظل قيود قانونية صارمة صُممت خصيصاً لمنع تكرار انحرافات الحقبة النازية. هذه القيود إلى جانب ثقافة سياسية حذرة تجاه أدوات المراقبة، جعلت الجهاز يركز على جمع المعلومات وتحليلها من دون صلاحيات تنفيذية هجومية واسعة. لكن هذه الصيغة، التي كانت انعكاساً لتجربة تاريخية مؤلمة، تحولت بمرور الوقت إلى نقطة ضعف في بيئة أمنية تتسم بالتهديدات السيبرانية والهجينة المتزايدة.
الحكومة الألمانية بزعامة فريدريش ميرتز، تسعى إلى ما يمكن وصفه بنقطة تحول استخباراتية موازية لنقطة التحول العسكرية التي أُعلنت بعد الحرب الروسية الأوكرانية. زيادة الميزانية، وتوسيع الصلاحيات، والسماح باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتقنيات التعرف على الوجوه، كلها خطوات تهدف إلى تقليص الفجوة مع الشركاء، وليس إلى قطع الحبل مع واشنطن. فالمسألة لا تتعلق بالاستقلال الكامل وهو هدف غير واقعي في المدى المنظور بل بتقليل الهشاشة الاستراتيجية.
ومع ذلك، فإن التحول لن يكون مطلقاً، فالصلاحيات الموسعة ستظل مشروطة بإعلان حالة استخباراتية خاصة عبر مجلس الأمن القومي داخل المستشارية الاتحادية، كما ستبقى الرقابة البرلمانية عاملاً حاسماً في ضبط أي توسع. هذه القيود تعكس المعضلة الألمانية الدائمة: كيف يمكن تعزيز الفعالية الأمنية دون المساس بالحقوق الأساسية أو استحضار أشباح الماضي؟
قد تمثل الخطوة الألمانية مدخلاً لبناء تعاون استخباراتي أعمق داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة في مواجهة التهديدات الروسية المحتملة والتهديدات السيبرانية. لكن غياب جهاز استخبارات أوروبي موحد، وتفاوت القدرات بين الدول الأعضاء، يجعلان من برلين مرشحاً للعب دور محوري، بحكم وزنها الاقتصادي والسياسي.
تسعى ألمانيا إلى إعادة تعريف التعاون الأمني مع واشنطن. فالعلاقة عبر الأطلسي ستبقى حجر الزاوية في أمن أوروبا، لكن برلين تريد أن تنتقل من موقع المتلقي شبه الكامل للمعلومات إلى موقع الشريك القادر على الإضافة. نجاح هذا المسار سيعتمد على تمرير الإصلاحات القانونية، وعلى تقبل الرأي العام الألماني لفكرة جهاز أكثر قوة، وعلى طبيعة السياسات الأميركية المقبلة.
نبض