خمس سنوات: روسيا وأوكرانيا... حرب على المستقبل والأراضي؟

آراء 22-02-2026 | 07:23

خمس سنوات: روسيا وأوكرانيا... حرب على المستقبل والأراضي؟

روسيا تخوض حرب إبادةٍ واضحةٍ في أوكرانيا، حيث تقوم بتدمير الحجر والثقافة والبشر. لا تعترف روسيا بوجود أمة أوكرانية حقيقية، ولا ترغب في تقديم أي حوافز لحل الأزمة الدموية بين الطرفين...
خمس سنوات: روسيا وأوكرانيا... حرب على المستقبل والأراضي؟
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ ف ب)
Smaller Bigger

د. خالد العزي*

دخلت الحرب الأوكرانية- الروسية عامها الخامس منذ انطلاقها في 22 شباط/ فبراير 2022، عندما أعلنت روسيا بدء هجومها الواسع ضد أوكرانيا تحت شعار "عملية خاصة". ورغم أن موسكو لم تحدد مدة العملية بشكلٍ دقيق، إلا أن أبعادها كانت واضحة، فقد كانت تهدف إلى إطاحة الحكومة الأوكرانية وتغيير النظام في كييف.

 

تلك العملية العسكرية التي تجاوزت حدود الخمس سنوات، تفوق في مدتها حرباً عالمية كاملة، وهي أطول من مدة الحرب العالمية الثانية التي خاضتها ألمانيا ضد جمهورية أوكرانيا الشعبية السوفياتية.

 

كانت أهداف روسيا من هذه العملية متركزة على الوصول إلى العاصمة الأوكرانية كييف، ثم إسقاط الحكومة الأوكرانية بسرعة، لكن الحسابات العسكرية الروسية كانت مليئة بالأخطاء. كان من المتوقع أن يتم التقدم السريع نحو العاصمة في  آذار/ مارس من العام نفسه، إلا أن القوات الروسية واجهت مقاومة عنيفة في المدن الصغيرة المحيطة بالعاصمة، ما أدى إلى تأخيرات وأكلاف بشرية كبيرة. بعد أسبوعين من الهجوم، كانت النتائج على الأرض تتناقض بشكل كامل مع التوقعات الروسية.

 

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ ف ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ ف ب)

 

كان العامل الاستخباري أحد أبرز العوامل التي ساهمت في فشل الهجوم الروسي. التقارير الاستخبارية التي وصلت إلى الكرملين، والتي كانت تشير إلى أن الشعب الأوكراني سيستسلم بسهولة ويرفع علم الاستسلام، تبين أنها كانت خاطئة تماماً. هذه الحسابات الخاطئة دفعت الرئيس الروسي إلى دعوة الجيش الأوكراني في 28 شباط/ فبراير 2022 للتمرد ضد حكومته والانقلاب على الدولة الأوكرانية.

 

لكن فشلت جميع تلك الحسابات. بدلاً من الاستسلام، حصلت أوكرانيا على دعم متزايد من الغرب والولايات المتحدة، مما أمدّ الجيش الأوكراني بالأسلحة والتدريب والمعدات اللازمة للاستمرار في المقاومة. هذه التحولات في مسار الحرب أطالت عمرها وجعلت من الصعب تحديد نقطة النهاية لها. الحرب أصبحت، بشكلٍ غير متوقع، صراعاً طويلاً دافع عن هوية الشعب الأوكراني ووجوده كدولة مستقلة.

 

ومع مرور الوقت، تطور النزاع إلى خلافٍ أوسع بكثير، بحيث أصبح الدم الأوكراني-الروسي يسيل بكثافة، واشتدت الكراهية بين الشعبين. مع هذه المعاناة، لم يعد هناك مخرج سهل للأزمة. أصبح التنازل عن الأراضي الأوكرانية أمراً مستحيلاً من جانب القيادة الأوكرانية، بينما ظل الرئيس الروسي متمسكاً بعنادٍ شديد بتحقيق أهدافه. ما كان يمكن أن يكون حلاً وسطاً لم يتحقق، وأصبح الشعب الروسي يدفع ثمن هذه الحرب باهظاً، على حساب الاقتصاد والدماء، من دون رؤية واضحة للمكاسب التي يمكن أن يجنيها.

 

إذن، لم تكن الحرب ضد أوكرانيا فحسب، بل كانت أيضاً ضد الرؤية الاستراتيجية لأوروبا. وعلى رغم أنها بدأت كعملية عسكرية محدودة، إلا أنها تحولت إلى صراع طويل ومدمّر أضرّ بالجميع، وأصبح من الواضح أن روسيا ارتكبت خطأَ تاريخياً، إذ كانت أوكرانيا التي اعتُبرت الأخ الأصغر لروسيا، تمثل تحدياً أكبر من أي وقت مضى.

 

بالطبع، كانت روسيا تخفي العديد من الحقائق عن هذه الحرب، بحيث ابتكرت مداخل دعائية غير مقنعة لتبرير هجومها، متذرعةً بالمطالبة بالأراضي التي كانت جزءاً من "الإمبراطورية الروسية" منذ أكثر من أربعمئة عام. كانت روسيا تسعى إلى إحياء ذلك التاريخ القديم، في محاولة لاستعادة أمجاد الماضي. ومع ذلك، كانت حجة "حماية الناطقين باللغة الروسية" مجرد واجهة، بينما كانت روسيا في حقيقة الأمر تهدف إلى ضرب النموذج الديموقراطي في أوكرانيا، الذي شكل تهديداً حقيقياً لها. الديموقراطية الأوكرانية كانت تمثل أزمة بالنسبة لروسيا، خصوصاً في ظل تبادل السلطة من خلال الانتخابات الحرة والنزيهة، التي كان من الممكن أن تفضح فساد النظام الروسي القائم على الفساد والمحسوبية.

 

لكن الحقيقة أن روسيا كانت تعلم جيداً أن السيطرة على أوكرانيا تعني أيضاً السيطرة على نصف أوروبا. وهناك مقولة قديمة تعود الى أكثر من أربعمئة عام تقول إن التوسع الأوروبي يتطلب بالضرورة السيطرة على أوكرانيا. في الواقع، كان هذا هو الهدف الاستراتيجي الأساسي الذي دفع روسيا إلى هذا الهجوم. اليوم، يبدو أن روسيا تتبع استراتيجية مختلفة، إذ تسعى الى إجبار الولايات المتحدة على التفاوض معها من أجل تقسيم أوروبا بشكل يعكس موازين القوى التي لم تتحقق عسكرياً. هذه الاستراتيجية تأتي في وقت حسّاس، إذ تعلم روسيا أنها محاصرة بين فكي كماشة: من جهة، أوروبا التي تقاوم توسعها، ومن جهة أخرى، الصين التي تزداد قوتها الاقتصادية.

 

النقطة الثالثة التي دفعت روسيا إلى استمرار الحرب هي المعادن الثمينة في أوكرانيا، وبخاصة في مناطقها الشرقية. هذه الموارد تعتبر غاية استراتيجية، تحاول روسيا الاستيلاء عليها من دون علم الحكومة الأوكرانية. وقد دفع ذلك الولايات المتحدة إلى توقيع صفقة شراكة استراتيجية مع أوكرانيا، مما أفقد روسيا الكثير من قدرتها على السيطرة على هذه الموارد الطبيعية.

 

في النهاية، يمكن القول إن روسيا تخوض حرب إبادة واضحة في أوكرانيا، حيث تقوم بتدمير الحجر والثقافة والبشر. لا تعترف روسيا بوجود أمة أوكرانية حقيقية، ولا ترغب في تقديم أي حوافز لحل الأزمة الدموية بين الطرفين. الحرب التي بدأتها موسكو أدت إلى مقتل أكثر من مليوني شخص، ناهيك بالجرحى والخسائر الاقتصادية المدمرة للطرفين.

 

ومن هنا نرى كيف أن الطائرات الروسية، التي كانت تهيمن على الأجواء الأوكرانية في البداية، تحولت إلى طائرات مسيرة تقود المعركة على الأرض حيث نجحت أوكرانيا في تشكيل تهديد مباشر لروسيا، مما يهدد قدرتها على الاستمرار في هذه الحرب. في الوقت نفسه، باتت الضربات الأوكرانية في العمق تشكل تهديداً مباشراً لروسيا، حيث أصبحت قدرات أوكرانيا في التصدي والهجوم تتزايد، مما يؤثر على قدرتها الاقتصادية والنفطية بشكل كبير.

 

*كاتب متخصص بالشؤون الروسية

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.

 

الأكثر قراءة

الخليج العربي 2/20/2026 7:38:00 AM
غراهام: إذا استُبدل نظام إيران بالشعب الإيراني، فسيؤدي ذلك إلى مستقبل مشرق لإيران ويفتح مساراً جديداً للتطبيع
تحقيقات 2/20/2026 6:41:00 AM
خلال الحرب المستمرة على غزة، تبخرت جثامين ما يقارب من 3000 فلسطيني دون أثر.
المشرق-العربي 2/20/2026 9:14:00 AM
حماس: أي مسار سياسي أو ترتيبات تناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان 
لبنان 2/21/2026 2:00:00 PM
الجيش الإسرائيلي: تم القضاء على عناصر من الوحدة الصاروخية في حزب الله في غارات أمس على منطقة بعلبك