من القانون إلى الدولة: هل تنجح المناطق الاقتصادية في لبنان حيث نجحت في الصين؟

آراء 22-02-2026 | 07:51

من القانون إلى الدولة: هل تنجح المناطق الاقتصادية في لبنان حيث نجحت في الصين؟

الصين، رغم انفتاحها التدريجي، طوّرت أنظمة ضمان اجتماعي متدرجة لتعزيز الاستقرار الداخلي. في لبنان، لا يمكن الحديث عن جذب استثمارات طويلة الأمد في ظلّ غموض في نظام التقاعد والحماية الاجتماعية. المستثمر لا ينظر فقط إلى الضرائب، بل إلى استدامة البيئة الاجتماعية والمؤسساتية.
من القانون إلى الدولة: هل تنجح المناطق الاقتصادية في لبنان حيث نجحت في الصين؟
صورة تعبيرية.
Smaller Bigger

وارف قميحة*

في السرايا الحكومية في بيروت، لم يكن انعقاد ورشة العمل المتخصّصة حول آليات تفعيل المناطق الاقتصادية الخاصة حدثاً بروتوكولياً عادياً؛ فالورشة التي نظمتها وزارة الاقتصاد والتجارة بالتعاون مع المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم (LFPCP) وبدعم من السفارة النروجية في لبنان، ضمن إطار مشروع National Policy Dialogues for Reforms، عكست انتقالاً فعلياً من مقاربة مفاهيمية للإصلاح إلى البحث في أدواته التنفيذية.

الطرح الذي قُدّم خلال النقاش أظهر إدراكاً بأن الأزمة اللبنانية لم تعد تُختصر بأزمة سيولة أو نقص تمويل، بل ترتبط بخلل في النموذج الاقتصادي نفسه. وعندما جرى تأكيد ضرورة الانتقال من "وجود قانون وهيئة" إلى "منظومة تشغيلية متكاملة"، بدا واضحاً أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في غياب التشريعات، بل في قدرة الدولة على تحويلها إلى مؤسسات فاعلة وآليات عمل قابلة للتطبيق والمساءلة.

 

 

حين يُطرح موضوع المناطق الاقتصادية الخاصة في لبنان، يستحضر كثيرون التجربة الصينية. غير أن المقارنة غالباً ما تكون سطحية، تركز على الإعفاءات الضريبية أو استقطاب المستثمرين، بينما جوهر التجربة الصينية كان أعمق بكثير. عندما أطلقت الصين أولى مناطقها الاقتصادية الخاصة في Shenzhen عام 1980، لم تكن المسألة مجرد حوافز، بل كانت قراراً سياسياً بإنشاء “مختبر إصلاحي” داخل إطار جغرافي محدّد. الدولة الصينية لم تفتح اقتصادها دفعة واحدة، بل اختبرت أدوات السوق، ونماذج الحوكمة، وآليات جذب الاستثمار في مساحة محددة، ثم وسّعت التجربة تدريجاً بعد التأكد من فعاليتها. لاحقاً، تطوّر النموذج في Shanghai وفي مناطق أكثر تعقيداً مثل Hainan Free Trade Port، حيث أصبحت المناطق منصات لوجستية ومالية متكاملة مرتبطة بسلاسل التوريد العالمية.

ما يميّز التجربة الصينية لم يكن حجم السوق فقط، بل أربعة عناصر مترابطة: استقرار تشريعي طويل الأمد، إدارة موحدة بصلاحيات واضحة، بنية تحتية جاهزة قبل استقطاب الاستثمار وربط مباشر بالتصدير العالمي. المستثمر كان يعرف أن القواعد لن تتغير فجأة، وأن جهة واحدة تملك القرار، وأن الخدمات الأساسية متوفرة، وأن الهدف هو الإنتاج من أجل الأسواق الخارجية لا الاكتفاء بالاستهلاك الداخلي.

في لبنان، النقاش الدائر اليوم يكشف وعياً ببعض هذه العناصر، خصوصاً ما يتعلق بالحوكمة ومراكز الخدمات الموحدة والتنسيق بين الوزارات. لكن التحدي البنيوي أعمق. لبنان لا يعاني من غياب الأفكار، بل من هشاشة مؤسساتية مزمنة. تعدد المرجعيات الإدارية، تضارب الصلاحيات، تقلب السياسات، وضعف الاستقرار المالي كلها عوامل تجعل أيّ منطقة اقتصادية معرّضة لأن تتحوّل إلى إطار قانوني إضافي من دون مضمون فعلي.

التجربة الصينية تُظهر أن المناطق الاقتصادية ليست "جزراً معزولة"، بل أدوات لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني. في الصين، كانت هذه المناطق مدخلاً لتحويل الاقتصاد من زراعي إلى صناعي ثم تكنولوجي، ورافعة لدمج البلاد في سلاسل القيمة العالمية. في لبنان، إذا أُريد للمناطق الاقتصادية الخاصة أن تنجح، يجب أن تكون جزءاً من رؤية اقتصادية أشمل: تعزيز القطاعات الإنتاجية، دعم الصادرات، تطوير الصناعات التكنولوجية، وربط الجامعات بسوق العمل.

هناك أيضاً بعد غالباً ما يُهمَل في النقاش المحلي، وهو العلاقة بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية. الصين، رغم انفتاحها التدريجي، طوّرت أنظمة ضمان اجتماعي متدرّجة لتعزيز الاستقرار الداخلي. في لبنان، لا يمكن الحديث عن جذب استثمارات طويلة الأمد في ظل غموض في نظام التقاعد والحماية الاجتماعية. المستثمر لا ينظر فقط إلى الضرائب، بل إلى استدامة البيئة الاجتماعية والمؤسساتية.

الفارق البنيوي بين الصين ولبنان لا يمكن تجاهله. الصين دولة مركزية ذات قدرة تنفيذية عالية وسوق داخلية ضخمة، فيما لبنان نظام تعددي بتوازنات سياسية دقيقة واقتصاد صغير يعتمد على التصدير والخدمات. لذلك، الاستفادة من التجربة الصينية لا تعني استنساخها، بل استلهام منهجها. ربما يحتاج لبنان إلى منطقة واحدة ناجحة، ذات إدارة مستقلة فعلياً، بصلاحيات واضحة، وبآلية تنسيق محددة بين الوزارات، مع مؤشرات أداء قابلة للقياس ومساءلة دورية. والشراكة مع الصين، إذا أُريد لها أن تكون ذات جدوى، يجب أن تتجاوز البعد المالي إلى نقل الخبرة في إدارة المناطق الصناعية واللوجستية. التجربة الصينية في تطوير الموانئ والمناطق الصناعية يمكن أن توفر نموذجاً تشغيلياً، لكن نجاحه في لبنان يبقى رهناً بقدرة الدولة على توفير الاستقرار القانوني والإداري.

المخاطر واضحة: تحويل المناطق الاقتصادية إلى أدوات تنافس سياسي، أو منح إعفاءات واسعة من دون رقابة صارمة، أو إطلاق مشاريع من دون بنية تحتية جاهزة. التجربة الصينية نجحت لأنها حسمت مسألة الحوكمة منذ البداية، وحدّدت بوضوح من يملك القرار ومن يُحاسَب على النتائج.

في نهاية المطاف، المناطق الاقتصادية الخاصة ليست وصفة سحرية. هي أداة، يمكن أن تكون رافعة إصلاح إذا أُحسن تصميمها وتنفيذها، ويمكن أن تتحول إلى عبء إضافي إذا بقيت محكومة بالذهنية ذاتها التي عطّلت قطاعات أخرى. التجربة الصينية تقدّم درساً أساسياً: التنمية لا تبدأ بالحوافز، بل بإطار مؤسسي مستقر، وإدارة فعالة ورؤية طويلة الأمد. السؤال الحقيقي ليس هل يحتاج لبنان إلى مناطق اقتصادية خاصة، بل هل هو مستعد لتوفير الشروط التي تجعلها تنجح؟

* رئيس جمعية طريق الحوار اللبناني الصيني ورئيس معهد طريق الحرير للدراسات والابحاث

 

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.

الأكثر قراءة

الخليج العربي 2/20/2026 7:38:00 AM
غراهام: إذا استُبدل نظام إيران بالشعب الإيراني، فسيؤدي ذلك إلى مستقبل مشرق لإيران ويفتح مساراً جديداً للتطبيع
تحقيقات 2/20/2026 6:41:00 AM
خلال الحرب المستمرة على غزة، تبخرت جثامين ما يقارب من 3000 فلسطيني دون أثر.
المشرق-العربي 2/20/2026 9:14:00 AM
حماس: أي مسار سياسي أو ترتيبات تناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان 
لبنان 2/21/2026 2:00:00 PM
الجيش الإسرائيلي: تم القضاء على عناصر من الوحدة الصاروخية في حزب الله في غارات أمس على منطقة بعلبك