المنظومة القانونية لمكافحة الفساد اكتملت ورقياً... بانتظار التطبيق الشامل والعادل
سليم جريصاتي
وزير العدل سابقاً
1- ان قانون سرية المصارف تاريخ 3/9/1956 قد اصبح القانون الاساس في هذه المنظومة بعد ان خضع لتعديلين متتاليين، أولهما بموجب القانون الرقم 306 تاريخ 28/10/ 2022 وثانيهما بموجب القانون الرقم 1 تاريخ 24/4/2025، والذي بات للقضاء في ظله الحق بطلب معلومات من المصارف عن أيّ من المعرّضين سياسياً، ولم يعد الموظف العمومي يتمتع بالسرّية المصرفية رغم أن القانون يحيل الأمر، في حال التقاعد أو ترك المنصب، إلى القانون الرقم 175/2020، أي قانون "مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد"، وقد أستثني المذكورون ادناه من السرية المصرفية:
أ-الموظف العمومي: وهو أي شخص ملزم بتقديم تصريح الذمة المالية المنصوص عليها في القانون الرقم 189/2020 ويؤدي وظيفة عامة أو خدمة عامة، سواء أكان معيّناً أم منتخباً، دائماً أم مؤقتاً، مدفوع الأجر أم غير مدفوع الأجر، لدى أي شخص من أشخاص القانون العام أو القانون الخاص، على المستويَيْن المركزي واللا مركزي، وبشكل عام أي شخص يؤدي عملاً لصالح ملك عام أو منشأة عامة أو مرفق عام أو مؤسسة عامة أو مصلحة عامة أو مال عام، سواء كان مملوكاً، كلياً أو جزئياً، من أحد أشخاص القانون العام، وسواء تولاها بصورة قانونية أم واقعية، بما في ذلك أي منصب من مناصب السلطات الدستورية أو أي منصب تشريعي أو قضائي أو تنفيذي أو إداري أو عسكري أو مالي أو أمني أو استشاري، والأزواج والأولاد القاصرون، والأشخاص المستعارون، و/أو المؤتمنون و/أو الأوصياء، و/أو صاحب الحق الاقتصادي.
ب- رؤساء الجمعيات والهيئات الإدارية التي تتعاطى نشاطاً سياسياً، وهيئات المجتمع المدني، كما وأزواجهم وأولادهم القاصرون، والأشخاص المستعارون، و/أو المؤتمنون و/أو الأوصياء و/أو صاحب الحق الاقتصادي، والمرشحون للانتخابات النيابية والبلدية والاختيارية كافة، من خلال تملكات متسلسلة أو وسائل سيطرة غير مباشرة متسلسلة أخرى أو خارجها، عملاً بالقوانين المرعية.
ج- رؤساء وأعضاء مجالس إدارة المصارف ومدراؤها التنفيذيون ومدققو الحسابات الحاليون والسابقون، ورؤساء وأعضاء مجالس إدارة الشركات التي تدير أو تملك الوسائل الإعلامية المرئية والمسموعة والمكتوبة والإلكترونية.
علماً أن مفاعيل رفع السرّية تبقى سارية على المذكورين فيها حتى بعد تاريخ استقالتهم أو إنهاء خدماتهم أو إحالتهم على التقاعد، وذلك عن طيلة الفترة التي كانوا يتولّون فيها مهامهم أعلاه ولمدة خمس سنوات إضافية بعدها (المادة 2 الجديدة).
من جهة ثانية، تنص المادة (7) الجديدة من قانون سرية المصارف الصادر بتاريخ 3/9/1956، والمعدلة بموجب المادة الأولى من القانون الرقم 1 تاريخ 24/4/2025، على أنه لا يمكن للمصارف المشار إليها في المادة الأولى أن تتذرع بسرالمهنة أو بسرّية المصارف المنصوص عليها في هذا القانون، وعليها أن تقدّم جميع المعلومات المطلوبة فور تلقيها طلباً من:
- القضاء المختص في الدعاوى المتعلقة بجرائم الفساد وجرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، ودعاوى الإثراء غير المشروع المقامة استناداً إلى قانون «التصريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع".
- هيئة التحقيق الخاصة بموجب قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
- الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.
- الإدارة الضريبية بهدف مكافحة التهرّب الضريبي.
- مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع.
2- عدلت المادة 150 من قانون النقد و التسليف تاريخ 1/8/1963 بموجب القانون رقم 306 تاريخ 28/10/2022 وفقا لما يأتي: "مع مراعاة احكام القانون رقم 306 تاريخ 28/10/2022ترفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد تجاه كل من مصرف لبنان و لجنة الرقابة على المصارف و المدققين او المقيمين المعنيين وفقا للاصول من قبل مصرف لبنان او لجنة الرقابة على المصارف و ذلك في اطار ممارسة عمل الرقابة و التدقيق او القيام بأي دور آخر مناط بأي منهما في القوانين المرعية الاجراء ويشمل رفع السرية المصرفية عن الحسابات الدائنة او المدينة ،داخل و خارج الميزانية ، و عن اي سجلات و مستندات و معلومات عائدة الى شخص معنوي او حقيقي يتعامل مع اي مصرف أو مؤسسة خاضعة للرقابة بمن فيها تلك المحمية بالسرية المصرفية تجاه أطراف أخرى مع تطبيق بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور هذا القانون .
ويمكن للجهات المذكورة أعلاه تبادل المعلومات فيما بينها لهذه الغاية.
تحدد عند الاقتضاء دقائق تطبيق هذه المادة بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير المالية بعد استطلاع رأي المصرف المركزي ".
3- "قانون الاجازة للحكومة الانضمام الى اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد" رقم 33 تاريخ 16/10/2008، مفتتحا بذلك، بالمبدأ والتسمية، المنظومة القانونية لمكافحة الفساد.
4- "قانون مكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب" رقم 44 تاريخ 24/11/2015، محددا 21 وجرما مشمولا بهذا القانون، والذي انشأ لدى مصرف لبنان هيئة مستقلة، ذات طابع قضائي، تتمتع بالشخصية المعنوية، غير خاضعة لسلطة المصرف في ممارسة اعمالها ومسماة "هيئة التحقيق الخاصة"، وناط بها صلاحيات واسعة في مجال هذه المكافحة.
5- "قانون تبادل المعلومات لغايات ضريبية" رقم 55 تاريخ 27/10/2016، الذي خلص الى الاجازة للحكومة ابرام "الاتفاقية المتعددة الاطراف للتعاون التقني في المجال الضريبي" و"الاتفاقية المتعلقة بالسلطات المختصة"، ما من شأنه ان يحد نظريا من التهرب الضريبي العابر للحدود، في حال تعاونت وزارة المالية تعاونا كاملا مع سائر الدول المرتبطة بالاتفاقيتين المذكورتين لجهة التبادل الدوري والتلقائي للمعلومات لغايات ضريبية.
6- "قانون حماية كاشفي الفساد" رقم 83 تاريخ 10/10/2018، والذي تمّ تعديله سنة 2020 بالاجازة للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، عفوا او بناء على طلب كل ذي مصلحة، ان تطلب من النيابة العامة المختصة او القوى الأمنية المختصة اتخاذ الاجراءات الأ منية المناسبة لحماية كاشف الفساد او احد افراد عائلته والعاملين لديه، او الخبراء والشهود، اذا تبيّن لها انهم بحاجة الى حماية شخصية من ضغوط او أعمال ثأرية حصلت او يخشى حصولها، حيث يتوجب حينئذ على النيابة العامة والقوى الأمنية الاستجابة للطلب فور استلامه بالوسائل المتاحة. هذا ويستفيد كاشفو الفساد من كل احكام هذا القانون في حال تقدموا بكشفهم الى النيابة العامة المختصة اضافة الى الهيئة، كما يستفيد كاشفو الفساد والشهود والخبراء والضحايا من الحمايات التي نصّت عليها احكام فقرات الفصل السابع- مكرر (المواد 270-2 الى 370-6) من قانون اصول المحاكمات الجزائية المضافة بموجب قانون "معاقبة جريمة الاتجار بالاشخاص" الرقم 164/2011.
7- "قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وانشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد" رقم 175/2020 تاريخ 8/5/2020، وقد تشكلت هذه الهيئة بموجب المرسوم الرقم 8748 تاريخ 28/1/2022، واعيد تشكيلها حديثا.
8- "قانون التصريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الاثراء غير المشروع" رقم 126 تاريخ 16/10/2020، الذي وضع حدا نظريا للذريعة التي كانت تساق لعدم مكافحة الفساد بأن التعريفات والمصطلحات "في قانون الاثراء غير المشروع" رقم 154 /1999 لم تكن واضحة كفاية وبالتالي غير قابلة للتطبيق. وبالفعل تضمن القانون الجديد شرحا تفصيليا حول تعريف الموظف العمومي والموظف الخاضع للتصريح (المادة الاولى، فقرة 1و2)، وفصّل آلية تقديم التصريح ومضمونه ومواعيد تقديمه دوريا (المادتان 4 و6)، كما وضع عقوبة صريحة في حال عدم تقديم التصاريخ اذ يعد "تقديم التصاريح المنصوص عليها في هذا القانون شرطا من شروط تولي الوظيفة العمومية والاستمرار فيها واستحقاق وقبض الرواتب والتعويضات وسائر الحقوق المالية لجميع الفئات المعددة في تعريف الموظف العمومي الخاضع للتصريح"، ويعد "مستقيلا حكما كل من لا يقدم التصريح.." (المادة 7 فقرة أ وب). كذلك افرد مادة لعقوبة التصريح الكاذب (المادة 9)، واورد فصلين حول عناصر جرم الاثراء غير المشروع وأصول الملاحقة الجزائية والمداعاة المدنية (الباب الثالث).
9- قانون رقم 214 تاريخ 8/4/2022 (استعادة الاموال المتأتية عن جرائم الفساد)، سواء وجدت داخل الاراضي اللبنانية او في الخارج، وسواء بقيت بملكية مرتكب الجرم او حيازته او انتقلت الى ملكية او حيازة شخص ثالث.
10- اما فيما يخص النصوص الظرفية، فلقد رفعت السرية المصرفية لحاجات التدقيق المحاسبي الجنائي في حسابات مصرف لبنان وسائر الوزارات والادارات بعد أن عُلّق العمل بأحكام قانون سرّية المصارف الصادر بتاريخ 3/9/1956 لمدة سنة واحدة، بداية بموجب القانون الرقم 200 تاريخ 29/12/2020، الذي علق السرية المصرفية لسنة، وذلك لحين انتهاء أعمال التدقيق الجنائي، فمُدد العمل بالقانون الرقم 200/2020 المنشور في العدد 51 من الجريدة الرسمية تاريخ 31/12/2020، إلى حين انتهاء أعمال التدقيق الجنائي المشار إليه في القانون المذكور، وذلك بموجب القانون الرقم 279 تاريخ 7/3/2022.
11- اضافة الى ذلك، صدرت تدابير احترازية Prudential measures عن مصرف لبنان لحماية القطاع المالي والاقتصادي في لبنان من التعامل مع الجهات غير المرخصة والخاضعة لعقوبات صادرة عن سلطات خارجية، وذلك بموجب القرار الرقم 13735 تاريخ 14/7/2025 والاعلام الصادر عن هيئة التحقيق الخاصة الرقم 30 تاريخ 14/7/2025.
يبقى طبعا ان العبرة في التطبيق العادل والشامل ومن دون اي استهداف او انتقائية او استنسابية، وفي ظل قضاء ساهر ومحرر من اي قيد سياسي او طائفي او مناطقي، وهو على ذلك قدير على ما عهدته.
نبض