الدولة المؤجَّلة: لبنان بين الحصانة والعدالة الغائبة
المحامية ميرنا حلبي
في لبنان، ليست العدالة غائبة لأن القوانين ناقصة، بل لأنها مُعطَّلة عن سابق إصرار. ليست الدولة ضعيفة بالصدفة، بل مُفرَّغة بالإرادة. فطبقة سياسية حاكمة أحكمت قبضتها على مفاصل الحكم، لا لحماية الدولة، بل لحماية نفسها من الدولة، وتحديداً من العدالة.
هذه الطبقة لا تخشى الفضيحة، لأنها تدرك أن الفضيحة في لبنان لا تقود إلى محاسبة، بل إلى تسوية. تعرف أن التحقيقات يمكن تجميدها، وأن القضاة يمكن تطويقهم، وأن الملفات الثقيلة تُنقَل من درج إلى آخر حتى يُستنزف القاضي، أو يُرهَق الرأي العام، أو تتبدّل موازين القوى. هكذا تتحوّل العدالة من مسار قضائي إلى ساحة صراع سياسي، ومن حق عام إلى ورقة تفاوض.
انفجار مرفأ بيروت ليس استثناءً، بل المثال الأوضح على هذا الانهيار الأخلاقي والمؤسساتي. جريمة بحجم مدينة مدمَّرة، ومئات الضحايا وآلاف الجرحى، ما زالت رهينة التعطيل. لا لأن الحقيقة بعيدة أو مستحيلة، بل لأن الوصول إليها مكلف سياسياً. الحقيقة هنا تهدد شبكة مصالح متداخلة تمتد من الإدارة إلى السياسة إلى الأمن، ولذلك تُدفَع إلى الخلف، مرة بالحصانات، ومرة بتنازع الصلاحيات، ومرة بحملات الترهيب والتخوين.
الأمر نفسه ينسحب على أزمة المصارف وتطيير الودائع. أموال الناس لم تتبخر بفعل كارثة طبيعية، بل نتيجة منظومة مالية–سياسية متشابكة، حوّلت الدولة إلى درع يحمي المصارف، والمصارف إلى خزنة تموّل السلطة. وعندما انهار النظام، تُرِك المودِع وحيداً في مواجهة مصيره، فيما بقي المسؤولون خارج أي مساءلة فعلية، لأنهم ببساطة جزء من السلطة التي يُفترَض أن تحاسبهم.
ولا تختلف فضائح الأدوية المزورة، ولا مافيات المولدات ونقل المياه، ولا شبكات التهريب عبر الحدود. كلها أعراض لنظام واحد: نظام يقوم على تقاسم الغنائم لا على إدارة الدولة. زعماء يتقاسمون النفوذ، ويتركون للناس الفتات، ثم يطلبون منهم الصبر والواقعية. في هذا السياق، الفساد ليس انحرافاً، بل أسلوب حكم، والحصانة ليست استثناءً، بل القاعدة.
في هذا النظام، تصبح العدالة انتقائية بطبيعتها. تُستَخدم ضد الضعيف، أو ضد من انتهى دوره السياسي، أو من خرج من شبكة الحماية. أما من لا يزال داخل المنظومة، فله ألف باب للنجاة: حصانة نيابية، غطاء طائفي، تسوية سياسية، أو ببساطة تعطيل طويل الأمد بانتظار النسيان. حتى القضاء، حين يقترب من الخطوط الحمراء، يُجمَّد بقرار سياسي، أو يُعطَّل باتصال.
الأخطر من كل ذلك أن هذا الواقع لم يعد صادماً لكثيرين. شعب أنهكته الأزمات، وتعايش مع الذل، وتعلّم كيف “يدبّر أموره” داخل منظومة فاسدة، حتى أصبح رهينة لها. لا لأنه يقبلها، بل لأنه محاصر بها: في الكهرباء، في الماء، في الدواء، في المصرف، وفي العدالة. دولة تُدار كشبكة مصالح، لا كمؤسسة عامة.
لبنان لا يحتاج إلى خطابات إضافية عن “مكافحة الفساد”، ولا إلى لجان شكلية، ولا إلى وعود مؤجَّلة. يحتاج إلى قضاء مستقل فعلياً، لا يُجمَّد بقرار سياسي، ولا يُعطَّل باتصال. يحتاج إلى دولة تثبت، بالفعل لا بالكلام، أن القانون لا يتوقف عند أبواب السلطة، وأن العدالة لا تُفصَّل على قياس النفوذ.
لأن الدولة لا تسقط فقط عندما تعجز عن تأمين الخدمات، بل تسقط فعلياً في اللحظة التي يقتنع فيها شعبها أن العدالة تُطبَّق على الضعفاء فقط، وأن الأقوياء فوق المحاسبة. عندها، لا يعود الفساد مشكلة عابرة، بل يصبح هو النظام نفسه.
نبض