​حالة العقدة المستعصية في لبنان

آراء 18-02-2026 | 10:10

​حالة العقدة المستعصية في لبنان

حان الوقت لقيام الوطن وإعطاء الشباب الفسحة الآملة بعيداً عن الأحقاد والنكد والمناكفات.
​حالة العقدة المستعصية في لبنان
مجلس النواب. (نبيل إسماعيل)
Smaller Bigger

الدكتور عادل عقل 


​من أسطورة عقدة”Le noeud Gordien”  في سنة 333 ق.م؟ مَن يفكها كان ليحكم آسيا. جاء الإسكندر الكبير وقطعها بالسيف، فتحققت النبوة بموافقة الإله Zeus وكأن الإنسان قليل القدرة على الحلول ويحتاج دائماً إلى الآلهة وإلى الخوارق. فما مجموعة العقد التي يفرق فيها جميع الشعب اللبناني وما امكانية الحلول. هل من وجود لشخص الاسكندر الكبير.


​ينشأ الإنسان في بيئة عامة حاضنة، تتنازعه منبهات خارجية ورغبات داخلية، فيبدو في صراع دائم بين تقلب العاطفة من جهة وتشبث الرأي والقناعة من جهة أخرى. فمن مسار الهوية والوعي والارتباط مع الواقع والقسم الهوامي والتوازن الداخلي للفرد ومنها التوازن الاجتماعي، تنشأ صراعات إما داخلية عند الفرد وصراعات بين الأفراد والجماعات هذه حال المجتمعات. من هذا الاحتكاك والمداخلات تبرز التناقضات والخلافات حتى التدافع والتقاتل.

 

هذا القتال يكون بين الأفراد أو بين الجماعات، وذلك تحت مبررات: اقتصادية، مصلحية، عرقية أو دينية. تعددت طرق العيش للجماعات، فكان تحكم الملك الفرد بغطاء ديني من فوق إلى تحت، وكان حكم الجماعة النخبة أو الأوسع بواسطة الانتخابات، تُعطى إلى ما يسمى ممثلي الشعب، فكان المجال الديمقراطي. يتكاثر التقاتل وكأنه من طبيعة الإنسان، فأصبح من الممكن التفاهم الجماعي لمدة محددة وتداول السلطة وذلك في الانظمة الديمقراطية الحرّة.

​أي التوافق والتأقلم مع معتقدات متناقضة تحترم ما يسمى القواسم المشتركة وقوننة وانتظام التلاقي أو الافتراق. هذا لا يلغي دينامية الوجود ضمن المجتمع الواحد أو ما بين المجتمعات المتجاورة.

 

فما بال دولنا في هذه المنطقة تهوى الفراق والتناحر والتقاتل. عجزت الدول العربية عن التوافق على مفاهيم المعرفة والتلاقي لمصلحة شعوبها. فاللغة لم تجمع ولن تجمع، والدين لم يجمع ولن يجمع، والعقائد الفكرية لم تجمع ولن تجمع. الحاجة تبقى إلى السعي للتصالح مع الذات أولاً، والتقارب والتصالح مع الآخر ثانياً.

​هذا الممكن يستوجب قادة يفقهون مقاييس رجال الدولة بالمسؤولية والتطبيق لإنارة الشعب وجمع الشمل وتلاقي المصالح. ما حل في لبنان حيث التجاذب والتقلب أسياد الموقف، وما من يرتوي. نعيش انكفاء الاخيار والتمادي عند بعض الفئات. من جهة من يعمل للتهدئة ومن جهة أخرى من يعمل للمواجهة والقتال.

 

أما مفهوم الدولة فهو في ضياع، والتفكك يدوم ويدوم، ومن يتمكن ويُقرر مسيرة الحكم. فنهاراً وجهاراً، من يعلن سياسة حافة الهاوية رافعاً شعار: ليس المهم أن تصرع التنين ولكن المهم أن تصارعه. فالدولة أجهزة عامة، إدارة مؤسسات وأفراد. الفساد يستشري على كل الصعد، لا مراقبة ولا محاسبة. ميزانية الدولة مبنية على الكثير من الضرائب ولا حركة اقتصادية صحيحة.لبنان الجنوب يتهدم من جرّاء العدوان لبنان الشمال يتهدم من جرّاء الاهمال وكل لبنان في مستنقع فقدان القرار.

​فالزراعة مدمرة والغابات تأكلها الحرائق ولا مختبرات ودراسات للإرشاد. الصناعة في جمود ولا مساعدات ولا محفزات مادية أو في الطاقة أو التسويق. الثروة السياحية في انتكاس. هذا الجمود مما يولد من جرّاء صعوبة وجود المال إن عند الدولة أو عند الأفراد للدخول في استثمارات منتجة.

 

عندما يكثر شركاء الدولة أو العداوة مع الدولة تنعدم الشراكة في الوطن. فعلى مرّ الزمن عندما يغرق جماعة أو أفراداً في تصنيم أفكارهم يستحيل التحاور أو التعايش، فيغرق الإنسان أو الجماعة في مأزق وجودي لا يجد مخرجاً لها إلا العنف وشيطنة الآخر لتبرير عدوانيته. فالوعي الذاتي البنّاء يبقى عصياً على الفهم، لكنه مجموعة تفاعل فكري ودماغي زائد تفاعل ثقافي بواسطة اللغة، من هنا يبرز حال الإبداع في الاختراع من مكتشفات وتجديد في جميع الحقول.

​عبثاً يتبارز ممثلو الشعب في عروض أفكارهم في الندوة النيابية، وهي مسرحية فارغة وهم يمثلون على الشعب دون أي إنتاج. أما السلطة فهي مجموعة سياسيين مكلفين من الشعب لحسن الإدارة ورعاية المصلحة العامة. فماذا يفعل القيمون على الدولة؟ هم في حالة ركود وجمود.

 

لا قدرة على القرار، وإن كان من رأي أو موقف فلا قدرة على التنفيذ لقلة الموارد المادية. يقحمون بالجيش إلى الواجهة وهو قليل العتاد والإعداد، فما بالهم! نحن نعيش في تاريخ واحد وفي ذاكرة مغايرة، وحلم في مستقبل متنوع وبخاصة دون أمل.

​لبنان لا يستقيم إلا بإرادة رجال الدولة، حين توجد الإرادة، يبقى أن توجد الرؤية وإرادة التطبيق. ليس مقبولاً أن نبقى عالقين بين الحرب والسلم، جماعة تعيش القتال وسيلة والاستشهاد هدف الوجود. وكأننا بانتظار من ينقذنا أو من يقول لنا سنعمل السلام لكم وعندكم وبدونكم.

 

لا يمكن للوطن أن يبقى أسيراً من هواة السلطة ومن عندهم شهوة الانتقام. مع العدو الدائم علينا ان نحتكم الى معاهدة الهدنة سنة 1949 بالوسائل الدبلوماسية وبالتعاون مع الدول العربية.

 من هو القادر على اسماع صوت الحق، صوت الوطن، ولجم الانحراف وتعصب الأفكار. الوطن يحتاج إلى حوار بنّاء نلتقي فيه على قناعات مشتركة وأفكار متقاربة وإن لم تكن متشابهة. هذه العقدة من يحلّها أو من هو الإسكندر لقطعها وتحرير الوطن؟

​لم يعد لبنان مصرف الشرق ولا مستشفى الشرق ولا جامعة الشرق. من يخرج لبنان من سجن الذات، من سجن الطائفية، من سجن الأنانيات الجماعية. نحن نحتاج إلى جماعة مسؤولة، أي رجال دولة تعقلن المزايدات، بعيدة عن التكاذب، تحترم القوانين والمحاسبة وتحترم العقد الاجتماعي لمصلحة الوطن.

​كفانا العلل في شخصيات بعض المسؤولين منهم الموتورة ومنهم الطامعة ومنهم العدوانية وعلى بعضهم .

ينطبق ما قاله الحجاج بن يوسف الثقفي عن شخصه عندما سأله أمير المؤمنين مروان بن عبد الملك  :

"ارم عيبك" فأجابه الحجاج:" اني رجلٌ لدودٌ حقودٌ وحسودٌ".فقال له الامير: "هذه الصفات لا توجد الاّ في ابليس."

حان الوقت لقيام الوطن واعطاء الشباب الفسحة الآملة بعيداً عن الاحقاد والنكد والمناكفات.

 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
ايران 4/3/2026 3:13:00 PM
وكانت إيران قد أعلنت، في وقت سابق من اليوم الجمعة، أنها أسقطت طائرة من نوع إف-35 أميركية الصنع فوق أجوائها، وأشارت إلى أن مصير الطيار "ما زال مجهولاً".
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات 4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل