كيف تسعى الولايات المتحدة لتضييق آفاق الهند في روسيا؟
د. خالد العزي*
تُعدّ تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول اتفاق الهند مع الولايات المتحدة لخفض مشترياتها من النفط الروسي بمثابة نقطة تحول مهمة في السياسة الهندية تجاه روسيا، إذ أعلنت الهند استعدادها للامتناع عن شراء النفط من روسيا مقابل تخفيف القيود الجمركية على صادراتها إلى الولايات المتحدة، بما في ذلك المواد الخام والمنتجات القادمة من الهند. في الوقت نفسه، شملت هذه الاتفاقات التجارية بنوداً إضافية من شأنها أن تضيّق آفاق التعاون بين الهند وروسيا، خاصة في ما يتعلق بالنفط.
هذه التحولات تأتي في سياق جهود الولايات المتحدة الحثيثة لعزل دول الجنوب العالمي عن روسيا، مع التركيز بشكل خاص على الهند. في إطار الاتفاق التجاري الجديد مع نيودلهي، تعهدت واشنطن بخفض الرسوم الجمركية المفروضة على البضائع الهندية من 25% إلى 18%، وهو ما يبدو كتحفيز من الجانب الأميركي بهدف كسب تعاون الهند في تقييد علاقاتها مع موسكو. في المقابل، فرضت الولايات المتحدة رسوماً إضافية بنسبة 25% على العديد من البضائع الهندية في عام 2025، كرد فعل على استمرار مشتريات الهند من النفط الروسي.
الميناء الإيراني: نقطة تحول في العلاقات الهندية - الإيرانية
تعتبر حادثة ميناء تشابهار الإيراني جزءاً من سلسلة محاولات الولايات المتحدة المستمرة لتقليص قدرة الهند على التأثير في المنطقة. يشكل ميناء تشابهار الإيراني نقطةً استراتيجيةً في العلاقات التجارية بين الهند وإيران، حيث يعتبر جزءاً أساسياً في ممر النقل بين الهند وإيران. وقد كان هذا الميناء في البداية مشروعًا مستقلًا، لكنه تمّ دمجه في الممر الاقتصادي بين الهند وآسيا الوسطى، مما يُسهم في تسريع التجارة الإقليمية وتقليل وقت عبور البضائع.

لكن الولايات المتحدة قررت في وقت لاحق اتخاذ خطوات للحدّ من تأثير ميناء تشابهار على علاقات الهند مع إيران، خاصة بعد أن قررت الهند عدم تخصيص تمويل لتطوير الميناء في ميزانيتها للسنة المالية 2026-2027. وفقاً لتقارير إعلامية هندية متنوعة، كان هذا القرار نتيجة لتصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة، بالإضافة إلى الضغوط الناتجة عن العقوبات الغربية التي تستهدف إيران.
موقف موسكو والرد الروسي.
في المقابل، تؤكد موسكو أن الهند لم تُشر إلى وقف إمدادات النفط الروسي. وفي هذا السياق، أكد ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، أن الحوار الأميركي - الهندي لا يرتبط بشكل مباشر بالتعاون الاستراتيجي بين الهند وروسيا. على الرغم من الضغوط الخارجية من قبل الولايات المتحدة، فإن الهند تسعى لموازنة علاقاتها مع روسيا مع ما تفرضه الولايات المتحدة من شروط اقتصادية.
الممرات التجارية: مشروع "IMEC" والمشاريع الكبرى الأخرى
بعيداً عن قضية النفط، يسعى الأميركيون لإحياء مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، الذي تم الكشف عنه لأول مرة في قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023. كان يُفترض بهذا الممر أن يربط الهند بأوروبا عبر موانئ الخليج العربي، وشبكات السكك الحديدية، ومن ثم إسرائيل. يُعتبر هذا الممر بمثابة بديل مدعوم من الولايات المتحدة لمبادرة الحزام والطريق الصينية. ورغم ذلك، فقد تباطأ تنفيذ المشروع بعد اندلاع الحرب في غزة، بالإضافة إلى التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والهند.
لكن إذا تمت إزالة العقبات الحالية، فقد يُستأنف المشروع، ويتعزز التعاون التجاري والديبلوماسي بين الهند والولايات المتحدة، على الرغم من وجود العديد من التحديات السياسية...
التحديات الكبرى: ممر النقل بين الشمال والجنوب
في إطار الضغط الأميركي على المشاريع الكبرى، التي تشمل روسيا والهند وإيران، تسعى الولايات المتحدة إلى عرقلة مشروع ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، الذي يربط بين الهند، إيران وعدد من اللاعبين الإقليميين الآخرين. يتقاطع هذا المشروع مع مصالح الولايات المتحدة في إعادة تشكيل خرائط التجارة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. هذا واضح من خلال الضغوط السياسية والاقتصادية المستمرة على دول الجنوب التي تسعى إلى تنفيذ مشاريع تجارية استراتيجية.
التداعيات الاقتصادية والسياسية لمشروع تشابهار
في حال تنفيذ الضغوط الأميركية، يُحتمل أن الاتفاق بين الهند وإيران بشأن تطوير ميناء تشابهار سيتعرض للعرقلة. ولكن الهند قد تستمر في المشاركة في ممر النقل بين الهند وإيران، خاصة في الجانب البحري للتجارة، حيث يُمكنها توصيل البضائع إلى ميناء بندر عباس الإيراني، الذي كان من المفترض أن يكون جزءًا من الممر.
تعزيز الضغط الأميركي على الهند
من الواضح أن حادثة ميناء تشابهار هي واحدة من العديد من المحاولات المستمرة من الولايات المتحدة لتقليص قدرة الهند على التأثير في المنطقة، خاصة في علاقاتها مع روسيا وإيران. هذه المحاولات، التي بدأت تحت إدارة بايدن في عام 2023، ستستمر تحت إدارة ترامب في عام 2026، في محاولة واضحة لتوجيه الهند بعيداً عن روسيا و إيران، ولتضييق آفاق التعاون الاستراتيجي بين هذه الدول.
*كاتب متخصص في الشؤون الروسية
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض