ناصر بن حسن الشيخ*
في عالم الاقتصاد وإدارة المخاطر، لا تُقاس متانة الدول والمؤسسات خلال فترات النمو، بل عندما تتعرض لضغوط غير اعتيادية، لهذا طُوِّر مفهوم اختبار الضغط (Stress Test)، وهي أداة تحليلية تهدف إلى قياس قدرة الأنظمة على الصمود عندما تستجد بعض التحديات، لا بهدف التنبؤ بالأزمات، بل لمعرفة ما إذا كان المسار العام قادراً على الاستمرار عندما تتعرض البيئة لاضطرابات.
تستخدم البنوك المركزية والحكومات هذا المفهوم لفهم أثر الصدمات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية والانكماشات المفاجئة، وغالباً ما تكشف هذه الاختبارات حقيقة بسيطة: الأنظمة التي تبدو قوية في الظروف الطبيعية قد تتعثر عند أول ضغط حقيقي، بينما تظهر متانة الأنظمة المبنية على تنويع اقتصادي ومؤسسات مستقرة عندما تتعرض للاختبار.
من هذا المنظور، يمكن قراءة ما واجهته دولة الإمارات منذ أواخر عام 2025 باعتباره اختبار ضغط من نوع مختلف. لم يكن الاختبار مالياً أو نقدياً، بل تمثل في حملات سياسية وإعلامية حاولت التشكيك في دور الدولة الإقليمي واستدامة نموذجها الاقتصادي. وفي عالم تتشكل فيه القرارات الاستثمارية بقدر كبير على أساس الثقة، فإن أي محاولة لإضعاف الصورة الذهنية لدولة ما تستهدف في جوهرها تدفقات رأس المال وحركة الأعمال.
لكن ما حدث لاحقاً كان أقرب إلى اختبار واقعي للأسواق نفسها. ففيما تصاعد الضجيج السياسي، جاءت المؤشرات الاقتصادية بعكس الاتجاه المتوقع. فقد تجاوزت التجارة الخارجية غير النفطية لدولة الإمارات حاجز 3.8 تريليون درهم للمرة الأولى في تاريخها، محققة نمواً بنحو 26%، وهو مستوى سبق المستهدفات الحكومية بأعوام، ما يعكس تسارعاً في اندماج الاقتصاد الإماراتي في سلاسل التجارة العالمية.
وفي قطاع يعدّ من الأكثر حساسية تجاه المخاطر (السفر والسياحة) سجل مطار دبي الدولي رقماً تاريخياً جديداً باستقبال 95.2 مليون مسافر خلال عام 2025، محافظاً على موقعه كأكثر مطارات العالم ازدحاماً بحركة المسافرين الدوليين، مع توقع بلوغ نحو 99.5 مليون مسافر في 2026.
توازياً، استقبلت دبي 19.59 مليون زائر دولي خلال العام نفسه، في ثالث عام متتالٍ من الأرقام القياسية لنمو السياحة، وهو مؤشر يعكس استمرار تدفق الطلب العالمي رغم حملة التشهير المصطنعة والبيئة الجيوسياسية المضطربة.
هذه الأرقام لا تمثل نجاحاً قطاعياً فحسب، بل تحمل دلالة أعمق في الاقتصاد السياسي. فحركة التجارة والسفر ورأس المال تُعدّ من أسرع المؤشرات استجابةً للمخاطر، عندما تتراجع الثقة تتباطأ فوراً، وعندما تستمر في النمو خلال فترات الضغط، فإن ذلك يشير إلى أن تقييم الأسواق يختلف عن السرديات المتداولة.
السبب يعود إلى طبيعة النموذج الاقتصادي نفسه، فعلى مدى عقود تبنت الإمارات استراتيجية تقوم على تقليل الاعتماد على النفط، وتعزيز موقعها مركزاً لوجيستياً ومالياً عالمياً، وتطوير بيئة تنظيمية مرنة تستقطب الشركات والمواهب ورؤوس الأموال. هذه العوامل مجتمعة أرست ما يمكن وصفه بـ"المرونة المؤسسية"، أي القدرة على امتصاص الصدمات من دون تغيير الاتجاه الإستراتيجي.
في منطق الاستثمار الطويل الأجل، لا تُعدّ اختبارات الضغط لحظات ضعف، بل لحظات كشف. فالمستثمر لا يبحث عن اقتصاد يخلو من التحديات، بل عن اقتصاد يثبت قدرته على الاستمرار عندما تصبح الظروف أقل ملاءمة، ومن هذه الزاوية فإن استمرار الأداء الاقتصادي القوي خلال فترة التوتر، لم يقلل من جاذبية النموذج الإماراتي، بل عززها، لأن اجتياز الاختبار يقدم للأسواق دليلاً عملياً لا يمكن استبداله بالخطاب.
كذلك تعكس التجربة حقيقة أوسع في النظام الاقتصادي العالمي اليوم، مفادها أن الدول الأكثر انفتاحاً وتكاملاً مع التجارة الدولية تصبح أقل عرضة للتأثر بمحاولات التشويه، لأن شبكة المصالح الاقتصادية التي ترتبط بها تتجاوز السرديات السياسية السطحية قصيرة الأجل.
في النهاية، لا تكمن قوة الدول في تجنب الاختبارات، بل في نتائجها، واختبار الضغط الذي واجهته الإمارات خلال الفترة الماضية لم يثبت فقط قدرتها على الصمود، بل أظهر أن الاستقرار الاقتصادي الحقيقي لا يُبنى على غياب الضغوط، بل على سياسات طويلة الأمد تجعل من الضغوط عامل اختبار لا عامل تغيير للمسار.
*اقتصادي إماراتي
نبض