هل يمكن اعتبار العرب قوة صاعدة؟
يبدو العالم أمام دورة جديدة فُتحت أبوابها بموجب استحقاقات، منها عادية، أو طبيعية، ومنها بفعل التفاعلات الدولية التي حصلت إبان المرحلة القريبة الماضية.
ومقاربة دوران الحلقات "السيسو- بوليتيكية" ثابتة وفق قناعة علماء الاجتماع الذين يراقبون التحولات في سياق تطور الحِراك البشري وتفاعلات التجارب التي تحصل. وبرأيهم, كل ما يحصل عبارة عن تجارب، وغير مبني على ثوابت دامغة، ولو كان الأمر على غير هذه الحالة, لما انطوت بعض صفحات في التاريخ، كان الاعتقاد أنها لن تزول، ومنها تجربة حكم الفراعنة فائقة الأهمية والتي استمرَّت 3000 عام وانتهت قبل أكثر من 6032 سنة (على سبيل المثال).

من المؤكَّد أننا اليوم أمام وضعية تغييرية قد تكون مُشابهة لما حصل في العام 1990 عندما انهارت المنظومة الاشتراكية التي كان يقودها الاتحاد السوفياتي والذي وصل بنفوذه إلى حدّ السيطرة – أو المونة - على ما يقارب نصف العالم. والمؤشرات على الحالة التغييرية واضحة المعالم، وقد أطلق العنان لها الرئيس الأميركي المُتميِّز دونالد ترامب. لكن مشهدية الصورة الجديدة لم تتوضَّح بعد، برُغم الخطوط المُعبِّرة التي ظهرت خلال الأشهر الماضية، وفي هذه الخطوط ألوان مزركشة جديدة، وخلط غريب عجيب لتوليفات لم نتوقَّع حدوثها. ومنها على سبيل المثال: الصمت الروسي على الاندفاعة الأميركية الجديدة، والتعاون بين اللّدودين الصيني والأميركي، والذي سيضفي الى تبادل زيارات على المستوى الرفيع، بما لم يحصل مثله في أيام المساكنة العادية، بينما كل التحليلات تؤكِّد أن هدف الحراك الترامبي الأساسي هو محاصرة العملاق الصيني الواعد.
العرب – أو مجموعة الدول المُنضوية في سياق جامعة الدول العربية – تلقت ضربات وازنة من السياق الدولي القائم، وإسرائيل استغلَّت الاختلال الهائل في موازين القوى لصالح حليفتها الأميركية، وردَّت الصاع صاعين على تحرشات ضحاياها الفلسطينيين، بما لا يقرُّه عقل ولا يفهمه منطق، واستباحت كل القيم والمقومات في مبالغة واضحة في الرد على عملية عادية حصلت في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 في غلاف غزَّة، بصرف النظر عن صوابيتها، أو ارتجاليتها، والذين قاموا بها قضوا، ولا يجوز محاكمة من ضحَّى بالدماء. وقادة تل أبيب تفلَّتوا من كل القيود، ووسَّعوا من حجم اعتداءاتهم لتطال دولاً مجاورة أو بعيدة، كما حشروا أنوفهم في مساحة تنفُس الآخرين، ونفثوا السُمّ، وعاثوا خراباً فيها.
لكن العرب الذين زاد عددهم عن 500 مليون بين مقيمين ومنتشرين، لهم مكانتهم، ولم تنجح كل عمليات تهميشهم، أو إغفالهم، رغم المحاولات المُتعددة، وحافظوا على لغتهم، وهم الآن في وضعية قد تكون مؤهلة للعِب دورٍ متقدِّم في حلقة الحراك العالمي المقبلة، بصرف النظر عن الخلافات البينية، وعن بعض الوصاية التي تطال بعض مكوناتهم. وهناك مؤشرات واضحة قد ترفع من منسوب صوابية هذا الرأي. وما قاله كبير علماء جامعة هارفرد البروفيسور بول انتراس من أن الدول العربية – والخليجية تحديداً – أقل تأثُراً بخطر الإغراق الصيني – الأميركي، لأنها لا تصنع ذات السلع، بينما تملك مقومات تطوير حراكها الاستثماري، والسعودية تملك شيفرة النجاح كما قال.
يقول المثل العامي "الضربة التي لا تكسُر تقوُّي" وبهذا المعنى يمكن المراهنة على مستقبل عربي أفضل، وقد تكون الوضعية العربية – على تنوعها أو اختلافها – أفضل حالٍ من وضعيات أخرى في العالم، حيث الشكوك تدور حول قدرة بعض الدول أو القارات التي اشتهرت بامتلاكها قوة إمبراطورية مؤثرة خلف حدودها، بالعودة الى الإمساك بملفات عالمية وازنة. وربما تكون دول أوروبية وايران والحبشة في صفوف القوى الراكدة، أو غير الصاعدة، بينما العرب أو بعض دولهم الوازنة، قد يكونون من بين القوى الصاعدة، والظروف الدولية قد تساعدهم على ذلك، برغم كل العوامل السلبية التي تُحيط بهم، وهم يمتلكون عناصر قوة ناعمة – أو خشنة – يمكن استثمارها في بلورة فاعلية مستقبلية مهمة.
قد لا يوافق البعض على هذه المقاربة، وهناك تحديات كبيرة جداً تواجه الواقع العربي، ولا تسمح بصعود مؤثر لهم. وهؤلاء قد يكونون على حق. لكن بعض المعطيات المنظورة، أو غير المنظورة، تُشير إلى إمكانية حدوث تبديل في أولويات الولايات المتحدة الأميركية، تحديداً فيما يتعلَّق بالرهان، أو بالارتهان، للعوامل الإسرائيلية، لا سيما بعد ما حصل في انتخابات بلدية نيويورك في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، وبعد إعادة التصويت التي جرت في الأمم المتحدة بتاريخ 15 كانون الأول/ديسمبر 2025، وأسفرت عن زيادة المؤيدين لإنشاء الدولة الفلسطينية الى 164 دولة، بينما بقيت الولايات المتحدة ومعها إسرائيل وبعض الدول غير المؤثرة في لائحة المعارضين.
القوة الناعمة والخشنة العربية، بدت أكثر تأثيراً. وهامش الاستقلال أعطى الجغرافيا – السياسية مكانةً مهمة، برغم احتفاظ غالبية الدول العربية بصداقاتها المُتميزة مع واشنطن. وقد تكون هذه الأخيرة أمام إعادة النظر ببعض الأولويات، ذلك أن التحالفات النوعية التي أُدرجت أخيراً في المنطقة، وأهمها التعاون السعودي – التركي – المصري – الباكستاني، ومعهم دول ذات مكانة استراتيجية، لا يمكن تجاهلها مهما تعاظمت الغطرسة الإسرائيلية.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض