لبنان: دولة تُغتال عند عتبة العبور - قراءة تحليلية في تصفية الزعامة العابرة للطوائف وتعطيل الخروج من النظام الطائفي

آراء 15-02-2026 | 10:26

لبنان: دولة تُغتال عند عتبة العبور - قراءة تحليلية في تصفية الزعامة العابرة للطوائف وتعطيل الخروج من النظام الطائفي

لا يعود الاغتيال فعلاً أمنياً فحسب، بل يتحوّل إلى أداة إلغاء أو إعادة ضبط سياسي تعيد إنتاج التوازنات نفسها، وتغلق الباب أمام أي انتقال وطني فعلي.
لبنان: دولة تُغتال عند عتبة العبور - قراءة تحليلية في تصفية الزعامة العابرة للطوائف وتعطيل الخروج من النظام الطائفي
اغتيال رفيق الحريري
Smaller Bigger

نزيه الخياط* 
في كل مرحلة مفصلية من تاريخ لبنان المعاصر، يتكرّر مشهد يكاد يرتقي إلى قاعدة غير مكتوبة: يبرز زعيم قوي داخل إحدى الطوائف المؤسسة، يحاول تجاوز حدود التمثيل الفئوي نحو فضاء وطني أوسع، ثم يُغتال في لحظة توتّر داخلي أو عند تبدّل موازين الإقليم. غير أنّ اغتيال الرئيس رفيق الحريري شكّل الذروة الأكثر فجاجة ووحشية في هذا المسار، إذ استهدف للمرة الأولى مشروعاً سياسياً وطنياً كان يقترب فعلياً من ترجمة اتفاق الطائف كمدخل دستوري للعبور من الطائفية إلى الدولة.

من كمال جنبلاط إلى بشير الجميّل، ومن رفيق الحريري إلى حسن نصرالله، لا تبدو هذه الاغتيالات أحداثاً معزولة أو طارئة، بل حلقات متتابعة في مسار واحد، ولو كانت الأهداف متباينة، يكشف عجز النظام اللبناني عن استيعاب الزعامة حين تحاول كسر القيد الطائفي من دون حماية دولة قائمة. عند هذه النقطة، لا يعود الاغتيال فعلاً أمنياً فحسب، بل يتحوّل إلى أداة إلغاء أو إعادة ضبط سياسي تعيد إنتاج التوازنات نفسها، وتغلق الباب أمام أي انتقال وطني فعلي.

أولاً: الاغتيال السياسي كأداة ضبط في النظام الطائفي

في الدول المستقرة، يُعدّ اغتيال القادة تهديداً مباشراً لكيان الدولة ونظامها السياسي. أمّا في لبنان، فيؤدّي الاغتيال وظيفة مغايرة، إذ يتحوّل إلى وسيلة غير معلنة لإعادة تثبيت توازنات طائفية مختلّة. فالزعيم لا يُستهدف لأنه ضعيف أو معزول، بل لأنه يصبح أقوى مما يسمح به نظام بُني على منع الغلبة لا على إنتاج الشراكة الوطنية.

عندما يقترب القائد من إعادة تعريف مفهوم الدولة أو السيادة أو التمثيل السياسي خارج القيد الطائفي، يتحوّل إلى عنصر خلل داخل بنية صُمّمت لإدارة الانقسام لا لتجاوزه. عند هذه اللحظة، يُستعاض عن المواجهة السياسية بالعنف، ويُنهى المسار قبل أن يكتمل.

تقوم الزعامة الطائفية في لبنان على عقد غير مكتوب: حماية الجماعة مقابل تمثيلها في السلطة. غير أنّ هذا العقد يصبح هشّاً حينما يسعى الزعيم إلى تجاوزه نحو مشروع وطني أوسع. عندها، تبدأ الطائفة نفسها بالنظر إليه بريبة، خشية أن يجرّها إلى صراعات تتجاوز قدرتها، فيما ترى الطوائف الأخرى في صعوده تهديداً لتوازن هشّ يقوم على القلق المتبادل. هكذا، يجد الزعيم نفسه معزولاً تدريجاً، لا تحميه طائفته ولا يستوعبه النظام، فيتحوّل من عنصر توازن إلى ضحيّة بنية لا تسمح بالتحوّل ولا تحتمل القفز فوق حدودها الوظيفية.

ثانياً: اغتيال رفيق الحريري ونقطة الكسر في مسار الدولة

شكّل اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذروة الأكثر دلالة في مسار تصفية الزعامات العابرة للطوائف، لا بسبب وحشيته فحسب، بل لأنه استهدف مشروعاً سياسياً كان، للمرة الأولى منذ الاستقلال، يقترب عملياً من تفعيل اتفاق الطائف كمسار انتقالي إلى دولة وطنية، لا كتسوية ظرفية. فالحريري لم يكن زعيماً سنّياً تقليدياً، بل قاد مشروع إعادة إعمار وبناء دولة، ونسج شبكة تمثيل سياسية واقتصادية واجتماعية تخطّت الانقسام الطائفي، وفتحت أفقاً واقعياً لإلغاء القيد الطائفي عن التمثيل النيابي كما نصّ عليه الدستور.

من هنا، لا يمكن فصل اغتياله عن كونه محاولة مباشرة لإجهاض إمكان قيام قيادة وطنية قادرة على نقل الصراع من إدارة التوازنات الطائفية إلى تفكيكها دستورياً. لقد كان اغتيال الحريري إعلاناً دموياً بأن أي محاولة جدّية لتفعيل الطائف في جوهره ستواجَه بالإلغاء الجسدي، وبأن النظام اللبناني، في ظل الوصاية آنذاك، لا يحتمل زعيماً يستمد شرعيته من مشروع دولة لا من وظيفة طائفية. بهذا المعنى، لم يكن الاغتيال جريمة سياسية فقط، بل لحظة مفصلية أعادت تثبيت حدود المسموح والممنوع في الحياة السياسية اللبنانية.

ثالثاً: النظام الطائفي وتعطيل الانتقال إلى دولة المواطنة

تكمن الأزمة اللبنانية في طبيعة النظام الطائفي الذي لم يُنشأ لإنتاج دولة مواطنين، بل لإدارة تعايش قلق بين جماعات متنافسة. في هذا النظام، يستبدل بالمواطنة الانتماء، وبالمؤسسات التسويات، وبالدستور الأعراف. كل طائفة تريد لبنان الواحد، ولكن وفق شروطها ومخاوفها وسرديتها الخاصة للتاريخ والدور والمصير.

شكّل اتفاق الطائف الركيزة الدستورية الأهم في تاريخ لبنان الحديث. فهو لم يكرّس الطائفية السياسية كما يُشاع، بل انطلق منها ونصّ صراحة على إلغائها كهدف وطني، وحدّد آلية انتقالية واضحة تقوم على مجلس نواب خارج القيد الطائفي، يقابله مجلس شيوخ تمثَّل فيه الطوائف، بما يؤمّن الطمأنينة الجماعية أثناء الانتقال إلى دولة المواطنة.

غير أنّ هذا المسار لم يُنفَّذ. فقد خضع لبنان، بعد إقرار الطائف، لتعطيل منهجي لمندرجاته الأساسية، بفعل الضغوط السياسية والأمنية التي مارسها النظام السوري السابق، وبمشاركة قوى داخلية وجدت في إبقاء الدستور معلّقاً مدخلاً لتكريس نفوذها. طُبّقت البنود التي تخدم إدارة الوصاية وضبط التوازنات مع الهيمنة، وعُطّلت البنود التي تؤدّي إلى قيام دولة فعلية وتحرير التمثيل النيابي من القيد الطائفي. في ظل هذا الواقع، يبقى أي مشروع وطني عابر للطوائف معلّقاً في الفراغ، بلا حماية دستورية أو مؤسساتية، ما يجعله عرضة للإجهاض عند أول اختبار جدّي.

رابعاً: الدولة المعطّلة بين الخارج والعنف المؤجَّل

مع تعطيل مسار الطائف، فقدت الدولة قدرتها على أن تكون مرجعية جامعة وضامنة، فاندفعت الطوائف إلى الاستقواء بالخارج لتعويض غياب الثقة الداخلية. لم يكن هذا السلوك دائماً خياراً أيديولوجياً واعياً، بل كان انعكاساً مباشراً لانعدام الشعور بالأمان في ظل دولة عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية. غير أنّ الخارج لا يدير الطوائف لمصلحتها، بل يوظّفها ضمن حساباته، مفضّلاً توازناً هشّاً قابلاً للتحكّم على قيام دولة قويّة مستقلة.

إلى جانب ذلك، يسهم التعليم الديني غير الخاضع لأيّ إطار وطني جامع في إعادة إنتاج الانقسام والتقوقع بين المكوّنات. فبدلاً من ترسيخ قيم المواطنة، يعمّق هذا التعليم سرديات خاصة وأساطير ومظلومية أحادية، تحت خطاب معلن عن التسامح ونفاق بيني متبادل بين الطوائف. الأخطر أنّ الدولة، بحجّة الخصوصيات الدينية والحفاظ على السلم الأهلي، تمتنع عن مراقبة مضمون هذه المناهج أو إخضاعها لحدّ أدنى من الضوابط والقيم الدستورية المشتركة. بذلك، يبقى العنف كامناً، مؤجّلاً لا مُلغى، وجاهزاً للاستدعاء عند كل تحوّل إقليمي أو اهتزاز داخلي.

خاتمة:  من النص المعلّق إلى الدولة الممكنة

يُظهر هذا المسار أنّ الاغتيال السياسي في لبنان ليس حدثاً طارئاً أو استثناءً عن القاعدة، بل نتيجة مباشرة لتعطيل الانتقال من الطائفية إلى الدولة. فحينما يُعلَّق الدستور وتُفرَّغ آلياته الإصلاحية من مضمونها، تُترك الزعامة القوية بلا إطار مؤسساتي يحميها، ويُدفع أي مشروع وطني عابر للطوائف إلى مواجهة نظام لا يجيد سوى إعادة إنتاج ذاته.

لقد نصّ اتفاق الطائف بوضوح على طريق الخروج من الطائفية السياسية، غير أنّ هذا الطريق أُقفل طويلاً بفعل الوصاية الخارجية، ثم بفعل مصالح داخلية راكمت نفوذها على تعطيل الدولة. ومع سقوط النظام السوري السابق والإيراني استطراداً، سقط العائق الخارجي الأبرز، لكن السؤال بات موجهاً إلى الداخل اللبناني نفسه: هل يملك القدرة على استعادة الطائف كنص دستوري مُلزِم، لا كتسوية قابلة للتأويل والاستنساب؟

بين ذكرى اغتيالٍ شكّلت لحظة كسر، وإمكان دستوري لم يُستكمل، يتحدّد مستقبل لبنان بين خيارين واضحين: إما استعادة الطائف كمدخل فعلي لبناء دولة المواطنة، بكل ما يتطلّبه ذلك من شجاعة سياسية ومراجعة ثقافية وتربوية، وإما البقاء في نظام تُغتال فيه القيادات عند عتبة العبور، وتُستدعى فيه التدخلات الخارجية عند كل أزمة، ويتجدّد فيه العنف عند كل منعطف. بين هذين الخيارين فقط، يُحسم ما إن كان لبنان دولة قابلة للحياة، أم ساحة مفتوحة على تكرار المأساة المستدامة.

* أكاديمي - باحث في الشؤون الجيوسياسية 

الأكثر قراءة

الخليج العربي 2/14/2026 11:25:00 AM
أسفرت العملية عن ضبط 2 طن و250 كيلوغراماً من أقراص الكبتاغون، بلغ عددها 14 مليوناً و62 ألفاً و500 قرص كانت مخبأة بإحكام داخل شحنة تجارية
العالم العربي 2/14/2026 11:35:00 AM
"صورة بألف كلمة... بداية جديدة"... لقاء مظلوم عبدي والشيباني في ميونيخ
المشرق-العربي 2/14/2026 11:56:00 AM
ترامب: الرئيس الشرع يقوم بعمل عظيم للشعب السوري ويعمل على توحيد البلاد
المشرق-العربي 2/14/2026 12:09:00 PM
الشيباني: نركز على إعادة الإعمار ونشترط انسحاب إسرائيل ولا علاقات اقتصادية مع إيران