رؤية جديدة للصالح العام: من مبدأ المساواة وتجنباً للتمييز... نحو قانون انتخاب يضمن العدالة وتكافؤ الفرص
د. هند الصوفي*
تشكل المساواة بين الجنسين أحد أعمدة المجتمعات الديموقراطية الحديثة، وهي ليست شعاراً نظرياً بقدر ما هي شرط أساسي لقيام حياة سياسية سليمة في عالمنا المعاصر.
ولا يمكن لأي نظام سياسي أن يدّعي التطور أو العدالة من دون مشاركة فعلية للنساء في مواقع صنع القرار (على رأسها الانتخابات النيابية). لماذا؟ لأن الدراسات الدولية أثبتت أن وجود النساء في البرلمانات يضمن مقاربات أكثر شمولًا في التشريع، ويعزّز السياسات الاجتماعية والتنموية، ويمنح صوتاً أقوى للقضايا التي غالباً ما يتم تهميشها: التعليم، الصحة، العدالة الاجتماعية، حقوق الطفل، وتمكين الفئات الضعيفة والهشة. فالنساء لا يشاركن من أجل الدفاع عن حقوقهن فحسب، بل من أجل توسيع نطاق العمل العام وجعله أكثر توازناً وترابطاً.
وحيث أن مشاركة النساء في الحياة السياسية في مجتمعنا لا تزال هزيلة وتصطدم بمعوقات متعددة،(الثقافة التقليدية التي تحصر أدوار المرأة في البيت، وضعف الدعم الحزبي، والخطاب الانتخابي الذكوري، وأهم من كل شيء، غياب السياسات العامة التي تُشجّع ترشح النساء عبر الكوتا أو التمويل أو التدريب السياسي - كما حصل في العراق أخيراً). ومقارنة بحضور النساء ودورهن في المجال الاقتصادي/ الاجتماعي، بات طلب توفير الفرص لهن ضرورة وطنية تعزز المشاركة الديموقراطية وتشكل إضافة نوعية من شأنها أن تحقق معدلات أعلى في المجال التنموي.

من هنا فالانتخابات لحظة تأسيسية تُعيد رسم صورة الدولة، وتعيد تعريف مفهوم المواطنة على أسس أكثر إنصافاً وشمولاً. والبرلمانات التي تخلو من صوت النساء، هي انعكاس لفجوة في النصوص الدستورية التي تتغنى بالمساواة: وهذا هو تماماً وضعنا في لبنان. انطلاقاً مما تقدم، فإن حق النساء في المشاركة الانتخابية هو حق أصيل، يرتكز على معايير العدالة والديموقراطية، وهو قضية وطنية بامتياز.
في بلدٍ يقوم دستوره على مبدأ المساواة، وتقوم شرعيته السياسية على إرادة شعبه، حاولت اللبنانيات مذ رجعن من بيجينغ 1995، أن يطالبن بالكوتا (كتمييز إيجابي يرتكز على المادة 4 من اتفاقية السيداو، التي طالبت الدول بأخذ التدابير الإيجابية لتذليل الفجوات القائمة بين النساء والرجال في المجتمع). تم ذلك من دون تقطع مدى ثلاثة عقود. وجاءت المبادرة الأولى من المجلس النسائي اللبناني الذي نظم أكثر من مؤتمر عربي ودولي ووطني لدعم المطالب. كما تقدم بأكثر من مشروع لإدراج الكوتا في القوانين الانتخابية، كانت تتكيف مع كل تغيير. وكان الرئيس الحريري الأب، داعماً للمشروع، إلا أن الأمور تبدلت في ما بعد، لكن الرد الرسمي مع كل استحقاق، كان يأتي ببساطة: "الوقت ليس متاحاً بعد"، "المشاكل تحوط بنا وأنتن تردن كوتا وتمييزاً "إيجابياً". كذلك أخيراً (2021)، قدم الحراك النسائي مشروع قانون لم يلق الاستحسان لا من الجو السياسي، ولا من الجو المدني عموماً ولا من النساء أنفسهن، لأسباب سترد ضمن هذا المقال.
حان الوقت في انتخابات 2026، أن نعالج الموضوع برؤية شمولية، تقارب بين وجهات النظر ولا تستفز أحداً. بداية، استوعبنا أن الكوتا كإجراء مرحلي لم تدخل فعلياً في مزاج السياسيين ولا الأحزاب ولا الطوائف، ولا غالبية النساء. لم يرَ اللبنانيون فيها إلا تمييزاً لصالح النساء، انطلاقاً من الحال العامة التي تعتبر أن الرجال أيضاً يعانون المعوقات نفسها (نقص في تكافؤ الفرص لغير الميسورين والأغنياء وذوي العائلات السياسية).
ونحن من جهتنا كأصحاب حق، نصرح أمامكم بأننا لا نريد الكوتا ولا نريد أي تمييز، وبلا أي منة، نحترم وجهة حكمكم، لكننا نطالبكم فقط بالمساواة والإنصاف وتكافؤ الفرص بما يرضي الدستور اللبناني. كما أننا نحيي الجهد الذي تمكنا مدى العقود السابقة من تحقيقه، إذ بات من البديهي ومن المعترف به شعبياً أن تكون المرأة جزءاً من العملية الإنتخابية ولو شكلياً، ولو أنها تتمثل بمقعد على الأقل على كل لائحة. ووجدنا الأحزاب كيف دعمت النساء وأثرت في بناء وعي عام جديد. لكننا أيضاً، استنتجنا أن الكوتا تضيف من أعداد المرشحات لكنها لا تؤدي فعلياً إلى مضاعفة أعداد الفائزات، ما دام الاحتساب المطروح من النساء والذي لم يوافق عليه، لا يطاول إلا عدداً محدوداً من النساء، حوالى واحدة على كل لائحة. وبقيت الفجوة مرتفعة (النساء الفائزات هن أقل من 6،50% من المجلس النيابي) بعد 30 عاماً من العمل والنضال المتواصلين.
من هنا، وجدنا أن الحل بسيط جداً، جئنا نقترحه على أصحاب القرار، حل عملي وعملاني، حل لا يكلف جهداً ولا عبئاً مادياً إضافياً، حل هو تعديل بسيط في القانون (المادة 97)، ينسجم مع الدستور ومع مبدأ المساواة في المواطنة:
"لكل ناخب أن يدلي بصوتين تفضيليين على أساس الدائرة الصغرى، ومن بين المرشحين في اللائحة نفسها التي اختارها، على أن يكون أحدهما للمرأة. وتعتبر لاغية كل ورقة تضمنت اسمين من الجنس نفسه".
هكذا نكون أمام قانون يحترم اللبنانيات وتكافؤ الفرص، بعيداً من التمييز، وانطلاقاً من المساواة بين اللبنانيين واللبنانيات.
أما، ما هي حسنات هذا التعديل، وما هي الأهداف المتوقعة، والمخاطر، وما هو تأثيره على قواعد الاحتساب العام للفائزين؟ فنشير في ما يأتي إلى الأمور الآتية:
-إن اعتماد هذا التعديل الطفيف في القانون الانتخابي من المجلس النيابي، سوف يتيح الفرصة أمام للنساء للحصول على مزيد من الأصوات أسوة بالرجال، وبالتالي على فرص النجاح. كذلك من شأن هذا التعديل أن يعودَ الرجال والنساء معاً على انتخاب النساء. ونتوقع أن يتضاعف عدد الفائزات. كما أن رؤساء اللوائح سوف يختارون الأوفر حظاً من النساء للإنضمام إلى لوائحهم.
أما المخاطر هنا فهي أن يتكاتف الرجال معاً كي يقصوا وجود المرأة على لوائحهم، وبالتالي نرجع إلى صوت تفضيلي واحد، ويخسرون إمكان فوز حليفة لهم في البرلمان. لكن ذلك يكون تصرفاً ناتجاً من سوء نية، وسوف يخجل العديد من رؤساء اللوائح من اعتماده، ويمكن أيضاً معاقبتهم شعبياً.
ومن المخاطر المتوقعة، رفض بعض الجماعات انتخاب النساء، والاكتفاء باسم رجل واحد. وهذا هو الأرجح، لذا لا بأس بالأمر، إنها فرصة لنا لدراسة هذه الممارسات الانتخابية الشاذة ومنطلقاتها، بغية تذليلها في المستقبل.
-نتوقع تذليل الفجوة بين الجنسين في مراكز القرار، وهذا ما يدخل ضمن أهداف التنمية المستدامة التي وقعت عليها الدولة. وفي ذلك تبعات إيجابية لمعالجة هذا الخلل في الحياة العامة ولإعادة الثقة بمؤسسات الدولة.
-وطبعاً، سوف يحدّ هذا الإجراء من هيمنة الأحزاب على اللوائح، بحيث يتيح الفرصة لانتخاب أسماء أخرى غير التي يفرضها الحزب، أو رئيس اللائحة. ولكن الأهم من ذلك هو البعد الإضافي الوطني في انتخابات طائفية الطابع لهذا القانون المجحف. فمن الممكن والمتوقع أن يكون الصوت التفضيلي الثاني من طائفة غير طائفة المقترع، وهذه هي البداية في تجاوز الفكر الطائفي في انتخابات وطنية.
-بالنسبة للاحتساب: لا تغيير في المرحلة الأولى التي تحدد عدد الأصوات لكل من اللوائح المشاركة بغية تقسيم الفائزين. كذلك في المرحلة الثانية عندما يتحدد الحاصل الانتخابي (قسمة عدد أصوات المقترعين على عدد المرشحين)، من المفترض أن يبقى الاحتساب هو نفسه المتبع حالياً. بالتالي لا ضرورة لعملية احتساب خاصة كما يقتضي الأمر مع تطبيق الكوتا.
-بالنسبة الى التمييز والكوتا: إن آخر قانون قدم متكيفاً مع قانون الانتخاب الحالي يقضي بأن تكون المرشحة بحكم الكوتا من طائفة الاكثرية في الدائرة. وهذا المشهد هو بفي ذاته مستفزاً لأنه يميّز من دون أي إيجابية بين النساء أنفسهن على أساس الطائفة. برأينا المتواضع، من الأفضل أن ننتقل من مبدأ التمييز إلى مبدأ المساواة الذي لن يستفزَ أحداً. إضافة إلى أن عملية الاحتساب معقدة أكثر من احتساب القانون الانتخابي وحده. بينما مع الاجراء والتعديل الذي نقترحه عليكم، لا تمييز بين النساء أولاً، ولا بين النساء والرجال، ولا تغيير في عمليات الاحتساب.
بناءً على ما سبق، نتوجّه إليكم، أصحاب القرار، بنداء واضح وصريح:
أن تبادروا، كلٌّ من موقعه، إلى اتخاذ خطوات عملية لإقرار هذه التعديل الطفيف والعملاني الذي يعزز تكافؤ الفرص بين الجنسين، إضافة الى ضمان بيئة انتخابية آمنة تحمي المرشحات من الضغوط، والتحريض، والعنف السياسي، وإعطاء فرصة للشباب للتعبير عن خيارهم بخفض سن الاقتراع. إضافة إلى اعتماد سياسة عامة تطبق مبدأ المساواة في كل مفاصل الدولة.
وختاماً، ندعوكم إلى اعتماد هذا الإجراء تجريبياً. دعونا نرى عواقبه وإملاءاته على أرض الواقع. ومن المفروض أن لا شيء من شأنه أن يمنعكم أيها السادة في مجالس القرار. ونحن من طرفنا، المواطنات اللبنانيات والمناصرين/ات، نود فعلياً أن نعيد بناء الثقة معكم. من التمييز إلى المساواة، بات الطريق واضحاً أمامكم فلا تخذلونا...
إن توفير الفرص أمام النساء اليوم هو استثمار في استقرار لبنان الغد. والتاريخ لن ينسى مَن يفتح الأبواب ولا من يسدها.
*أستاذة جامعية
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض