دافوس… انهيار جليد السياسة!

آراء 04-02-2026 | 04:30

دافوس… انهيار جليد السياسة!

هنا، في دهاليز المنتجع السويسري، لا تتعلّم مهارة التزلج على الجليد فحسب، بل عبقرية الانزلاق من ضغوط السياسة، تتعلم براعة عقد الصفقات من دون أن تترك آثار أقدام على السجادة.
دافوس… انهيار جليد السياسة!
الأهم في دافوس ليس المنصات، بل الكواليس. (أ ف ب)
Smaller Bigger

يختار قادة العالم جبال الألب السويسرية، حيث الجليد الصلب، ليطلّوا من علٍ على حرائق العالم المشتعلة في كل اتجاه.

 

ومن هناك، من مدينةٍ محاصرةٍ ببياض الثلج وسواد السياسة، ينعقد ذلك الطقس السنوي المقدّس: تجمّع الثروة والسلطة… المعروف اختصاراً بـ"منتدى دافوس". 

 

المنتدى بدأ عام 1971 مجرد فكرة أطلقها الاقتصادي الألماني كلاوس شواب تحت اسم «المنتدى الأوروبي لإدارة الأعمال»، واختار له دافوس الجبلية مقراً.

 

 

كان الهدف بسيطاً، بل تقنياً جداً: نقل خبرات الإدارة الأميركية الحديثة إلى الشركات الأوروبية.
ثم — كما يحدث دائماً — تدخّل العرب… لا كحضور، بل كحدث.

 

جاءت حرب 1973، فانتقل المنتدى من مربع الاقتصاد الهادئ إلى صخب السياسة، ومن دفاتر الإدارة إلى خرائط الصراع. فهذا قدر الوطن العربي: متخمٌ بالتاريخ والثروة، ومحاصرٌ بالأطماع… ويكفي أن يسعل حتى يُصاب العالم بالحمّى.

 

لكن المنتدى هذا العام يبدو كأنه تحوّل من ناقلٍ للخبرة الأميركية إلى وكيل حصري لنقل العالم إلى الجيب الأميركي — وبشروطٍ لم تكن حتى في أحلام الاقتصادي الألماني نفسه. فبدل أن ينقل خبرات أميركا… صارت أميركا تنقل الجميع إلى ملعبها.

 

ذلك اللقاء الأوروبي النخبوي الصغير، تحوّل بعد عقدٍ ونصف — بالذات من عام 1987 — إلى المنتدى الاقتصادي العالمي، ليصبح لاحقاً المصنع الأهم لكواليس القرارات الاقتصادية والسياسية في العالم.

 

قرارات لا تُكتب بالحبر… بل تُوقّع بظلال المصالح.
ومن مفارقات الرحلة أن المنتدى بدأ بخطوات شبابية حالمة، مثل مبادرات لتمكين الشباب عالمياً عبر برامج مثل «القادة العالميين الشباب». لينتهي المشهد هذا العام بسيطرة رجلٍ الكاوبوي القادم من أقصى القارة الأميركية يسعى، يحمل قلباً عمره ثمانون عاماً، ويحوّل حلم الشباب الأوروبي إلى كابوسٍ انتخابي عابر للقارات. ويعلن — من دافوس تحديداً — بداية عالمٍ جديد، هو سيده ووكيله الحصري، وليحوّل بياض شوارعها الثلجية إلى أسفلتٍ سياسيٍّ قاتم يجثم على صدور القادة.

 

لا ندري إلى أين ستتدحرج كتلة الثلج هذه… هل نحن أمام زلزالٍ يعيد تشكيل العالم؟ أم مجرد كرةٍ ثلجية ستذوب عند أول دفءٍ في الخلاف الأوروبي–الأميركي؟

 

فهنا، في دهاليز المنتجع السويسري، لا تتعلّم فقط مهارة التزلج على الجليد، بل عبقرية الانزلاق من ضغوط السياسة، تتعلم براعة عقد الصفقات دون أن تترك آثار أقدام على السجادة.

في غرفة جانبية لم تحظَ بكثير من ضوء الإعلام، تجد رجلاً سبعينياً بقبّعة مزركشة يجامل شاباً قليل الحركة… وبصحبته رئيس ما يُسمّى إسرائيل. ذلك الرجل الزائغ النظرات هو رئيس ما يُسمّى «أرض الصومال»، يبحث عن اعترافٍ بجمهوريةٍ لا يعترف بها أحد. أما الشاب المنشغل بجمع الأرقام، فلا صفة له سوى أنه "ابن" دونالد ترامب. والدُه هذا، الذي لا يدخل المشهد كرئيسٍ لأكبر دولة، بل كصاحب مشروعٍ يريد له البقاء حتى بعد أفول الإمبراطورية.

 

وأين يجد رجل الصفقات مكاناً أنسب من دافوس لعرض بضاعته السياسية؟ هنا تأتي الدول لتستمع إلى الشركات… لا العكس. هنا تُرسم خرائط العالم بمنحنيات البورصة، لا بدروس التاريخ. هنا يمكن لرجل أن يبيع ميناءً على المحيط الهندي مقابل مقعد اعتراف، ويأتي آخرون مسرعين، يحملون ملفات الديون وسجلات التعاون، خوفاً من فقدان كراسي الحكم.

 

ويفتح رجل البيت الأبيض، القادم من سوق العقارات، مندله السياسي، ويقرأ لكل زعيم طالعه:
برجك هذا العام… استثمار أجنبي مع احتمال انقلاب داخلي خفيف. أما الكابوس فهو أن تجد نفسك خطفت من غرفة نومك فجراً نحو محكمة في قلب نيويورك. 

الأهم في دافوس ليس المنصات، بل الكواليس.
ليس الكلمات، بل الهمسات. ليس الجلسات المزدحمة بالكاميرات، بل الغرف المغلقة التي لا يدخلها الضوء… ولا يخرج منها القرار كما كان.

 

لا يخدعك بريق المقاعد الأمامية. الحقيقة تسير في عتمة الردهة المزدحمة بالنخبة، حيث يُعاد ترتيب العالم على عجلٍ بين فنجان قهوة وصفقة طارئة.

 

هنا مفارقات الكون في أوضح صورها: رئيس حكومةٍ يرتجف من برد الألب وجمود اقتصاد بلاده، يبحث عن بضعة مليارات تنقذ دولة. وفي الجهة المقابلة، شابة تدير قطاعات إنتاج في شركة شوكولاتة وحليب عملاقة، تشكو — بجدية تامة — من أن مبيعات الحليب المجفف تراجعت إلى 44.2 مليار فرنك سويسري في نصف عام فقط! أي ما يوازي خمسين مليار دولار أميركي. رقمٌ يفوق موازنات دولٍ تتقاتل على علمٍ… ونشيد.

 

مشكلتنا، يا سيدتي، في الأوطان المُجفَّفة، أما الحليب… فقد أضعناه في صيف حربٍ لم تنتهِ بعد.

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 2/3/2026 8:35:00 PM
غموض يلف مصير سيف الإسلام القذافي وسط تضارب الأنباء في الزنتان
شمال إفريقيا 2/3/2026 9:44:00 PM
وُلد سيف الإسلام في طرابلس عام 1972، وهو الابن الأكبر للعقيد الليبي الراحل معمر القذافي من زوجته الثانية صفية فركاش
Fact Check 2/3/2026 2:15:00 PM
The shocking image circulating online actually shows Abramović at a 2013 New York charity event—what looked like “human flesh” is a performance art piece, not a crime.