آلية الاستقرار الأوروبي وتمويل الدّفاع: اختبار حقيقي للاستقلال الاستراتيجي

آراء 03-02-2026 | 04:27

آلية الاستقرار الأوروبي وتمويل الدّفاع: اختبار حقيقي للاستقلال الاستراتيجي

يشكل اقتراح استخدام آلية الاستقرار الأوروبي لتمويل الدفاع اختباراً حقيقياً لجدّية أوروبا في السعي نحو استقلالها الاستراتيجي.
آلية الاستقرار الأوروبي وتمويل الدّفاع: اختبار حقيقي للاستقلال الاستراتيجي
رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، خلال اجتماع غير رسمي لزعماء أكبر مجموعة سياسية في أوروبا، في زغرب، في 30 يناير 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم يعد النقاش حول الدفاع الأوروبي مجرد شعار سياسي يُستدعى في أوقات الأزمات، بل أصبح سؤالاً مصيرياً يتعلق بقدرة الاتحاد الأوروبي على حماية نفسه في عالم يزداد اضطراباً.

 
فارتفاع تكاليف التسلّح، وضيق الميزانيات الوطنية، وتنامي الشكوك حول موثوقية الشراكة مع الولايات المتحدة، جميعها عوامل تدفع أوروبا إلى إعادة التفكير في أدواتها المالية والدفاعية. في هذا السياق، يبرز اقتراح رئيس آلية الاستقرار الأوروبي، بيير غرامينيا، باستخدام صندوق الأزمات الأوروبي لتمويل الإنفاق الدفاعي، بوصفه طرحاً يتجاوز البعد التقني إلى نقاش سياسي واستراتيجي أعمق.

 

آلية الاستقرار الأوروبي تأسست عام 2012 كصندوق إنقاذ دائم لحماية منطقة اليورو من الأزمات المالية، وتبلغ قدراتها المالية أكثر من 700 مليار يورو، إلا أن دورها تراجع في السنوات الأخيرة، ما جعلها أداة شبه معطّلة. إعادة توظيف هذه الآلية لدعم الإنفاق الدفاعي تعكس تحولاً في التفكير الأوروبي: من التركيز على الاستقرار المالي الضيق إلى التعامل مع التهديدات الجيوسياسية باعتبارها خطراً بنيوياً طويل الأمد.

 

 

تزداد وجاهة هذا الطرح عند النظر إلى أوضاع دول منطقة اليورو الصغيرة، ولا سيما دول البلطيق. فقد ضاعفت ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا إنفاقها الدفاعي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وهي اليوم تخصص قرابة 5% من ناتجها المحلي للدفاع، غالباً عبر الاستدانة. 

هذا المسار يفرض أعباءً مالية ثقيلة قد تهدد استقرارها الاقتصادي على المدى المتوسط. من هنا، تبدو خطوط الائتمان الدفاعية التي يقترحها غرامينيا خياراً عملياً، خاصة مع تأكيده أن هذه القروض لن تكون مشروطة بإصلاحات اقتصادية صارمة، بما يجنّب الدول المستفيدة الوصمة السياسية التي رافقت برامج الإنقاذ السابقة.

في الوقت نفسه، يأتي هذا النقاش في ظل توترات متزايدة في العلاقات عبر الأطلسي، مع إدارة ترامب وما يرافقها من شكوك أوروبية بشأن مستقبل المظلة الأمنية الأميركية. 

هذه المعطيات تعزز الدعوات إلى “أوروبا” الدفاع، ليس فقط عسكرياً، بل مالياً أيضاً، عبر أدوات تمكن الاتحاد من تمويل قدراته الذاتية من دون ارتهان للخارج.

مع ذلك، يواجه المقترح عقبات سياسية واضحة. فالدفاع لا يندرج حالياً ضمن ولاية آلية الاستقرار الأوروبي، وأي تعديل يتطلب موافقة جميع دول منطقة اليورو، بما في ذلك الدول المحايدة عسكرياً مثل النمسا وأيرلندا. كما أن اقتصار الاستفادة على دول منطقة اليورو سيؤدي إلى استبعاد دول محورية في الأمن الأوروبي مثل بولندا، ما قد يفاقم الانقسامات داخل الاتحاد.

 

في المحصلة، يشكل اقتراح استخدام آلية الاستقرار الأوروبي لتمويل الدفاع اختباراً حقيقياً لجدّية أوروبا في السعي نحو استقلالها الاستراتيجي. فإذا نجح الاتحاد في تجاوز التحفظات السياسية وتوظيف هذه الأداة ضمن مزيج أوسع من برامج التمويل، فقد يخطو خطوة مهمة نحو بناء قدرة دفاعية أوروبية أكثر تماسكاً. أما إذا أخفق، فسيظل الحديث عن الاستقلال الاستراتيجي مجرد شعار، في عالم لم يعد ينتظر المترددين.

 

*باحث في الأمن الدولي والإرهاب


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 2/2/2026 5:27:00 AM
شبكة تجسّس رباعية شاركت في استدراج شكر ومن ثم نقله إلى الداخل الإسرائيلي!
اقتصاد وأعمال 2/2/2026 5:15:00 AM
الذهب كان قد سجّل مستوىً مرتفعاً غير مسبوق عند 5594.82 دولاراً يوم الخميس!
النهار تتحقق 2/2/2026 3:31:00 PM
كان ترامب وكلينتون يغطان في النوم. وقد تمدّدا على سرير، جنباً الى جنب.  
ترامب يشيد بـ"الوفيّ جدا" دان سكافينو خلال مشاركته حفل زفافه بمارالاغو