مضيق هرمز: قراءة تاريخية-استراتيجية في تآكل سياسة التهديد بالممرّات
نزيه الخياط*
لم تعد الجغرافيا، في النظام الدولي المعاصر، مرادفاً تلقائياً للقوة أو أداة مضمونة للردع كما كانت في مراحل سابقة من القرن العشرين. فالممرات البحرية التي شكّلت يوماً «نقاط اختناق» قادرة على فرض الإكراه السياسي، باتت اليوم خاضعة لتحوّلات أعمق في بنية القوة العالمية، تحكمها ديناميات الاعتماد المتبادل، وتسارع الابتكار التكنولوجي، وإعادة هندسة سلاسل الإمداد والطاقة. من هذا المنظور، لا يعبّر التهديد المتكرر بإغلاق مضيق هرمز عن فائض قوة بقدر ما يكشف حدودها، ولا يندرج في منطق ردعي فعّال بقدر ما يعكس تآكل سياسة التهديد بالجغرافيا نفسها. هنا، لا يعود السؤال عمّا إن كان المضيق قابلاً للإغلاق، بل عمّا إن كانت الجغرافيا، أصلاً، لا تزال قادرة على إنتاج الردع في عالم تعلّم تاريخياً كيف يتجاوز الممرات بدل الخضوع لها.
١- أفول الجغرافيا كأداة قوة سياسية
في القرن العشرين، ارتبطت الجغرافيا ارتباطاً مباشراً بمفهوم السيطرة. فالدولة التي تتحكم بممرات العبور الحيوية كانت تُعدّ، بحكم الموقع، فاعلاً قادراً على التأثير في حركة الاقتصاد العالمي وفي قرارات القوى الكبرى. غير أنّ هذا الربط المباشر بدأ يتفكك تدريجاً مع تحوّل النظام الدولي من بنية صراعية مغلقة إلى شبكة معقّدة من الاعتماد المتبادل. لم تعد السيطرة على الممر شرطاً كافياً لإنتاج النفوذ، بل باتت إدارة المخاطر، وتوفير البدائل، وضمان الاستمرارية، عناصر أكثر حسماً في معادلة القوة.
في هذا السياق، تفقد الجغرافيا «أهليتها السياسية» كلما جرى استخدامها بوصفها أداة ابتزاز صريح، لا بوصفها بنية انسياب اقتصادي. فالجغرافيا التي تُهدَّد تُدَوَّل، والممر الذي يُسيَّس يُحصَّن، والاختناق الذي يُلوَّح به يُواجَه بإعادة هندسة المسارات. هذه الدينامية تُظهر أن القوة الحقيقية ليست في السيطرة على الممر نفسه، بل في القدرة على خلق بيئة بدائل وتقليل الاعتماد الحاسم عليه.
٢- من «عنق زجاجة» إلى أصل استراتيجي متآكل
اكتسب مضيق هرمز أهميته الاستراتيجية القصوى بعد الحرب العالمية الثانية، مع تصاعد الاعتماد العالمي على نفط الخليج، في ظل غياب بدائل تصديرية كافية، وتَركّز الإنتاج في نطاق جغرافي ضيق. في تلك المرحلة، بدا المضيق بالفعل «عنق زجاجة» حقيقياً، يمنح الدول المشاطئة له هامشاً واسعاً للمناورة السياسية.
غير أنّ التاريخ يُظهر أن القيمة الاستراتيجية لأي ممر لا تبقى ثابتة، بل تتآكل كلما تحوّل من بنية انسياب اقتصادي إلى أداة تهديد. فخلال الحرب العراقية-الإيرانية، لا سيما في مرحلة «حرب الناقلات»، لم يؤدِّ استهداف الملاحة النفطية إلى إخضاع القوى الكبرى، بل استدعى تدخلاً دولياً واسعاً، وإعادة تنظيم حركة العبور تحت حماية عسكرية مباشرة، وترسيخ وجود بحري دائم في الخليج. النتيجة كانت معاكسة تماماً للهدف المعلن: تدويل الممر بدل التحكم به، وتقليص قدرة الأطراف الإقليمية على استخدامه ورقة ضغط منفردة.
ويتكرّر هذا النمط بوضوح في تجربة قناة السويس. فرغم الرمزية السياسية لتأميم القناة عام 1956، فإن إغلاقها بعد حرب 1967 دفع النظام الاقتصادي العالمي إلى البحث عن بدائل دائمة: تطوير ناقلات عملاقة، توسيع الاعتماد على طريق رأس الرجاء الصالح، وتعزيز شبكات الأنابيب العابرة للأقاليم. لم تفقد القناة مكانتها، لكنها فقدت قدرتها على الابتزاز. التاريخ هنا لا يُدين السيطرة بحد ذاتها، بل يفضح كلفة تحويل الجغرافيا إلى سلاح سياسي.
٣- حين ينقلب الردع على صاحبه
في ضوء هذا المسار التاريخي، يبدو التهديد بإغلاق مضيق هرمز اليوم أقل تعبيراً عن قوة ردعية، وأكثر دلالة على مأزق استراتيجي. فوفق نظريات الردع الكلاسيكية، كما صاغها توماس شيلينغ، لا يقوم الردع على القدرة على الإيذاء وحدها، بل على إمكان التهديد من دون إلحاق ضرر أكبر بالذات. وعندما تصبح كلفة تنفيذ التهديد أعلى على الفاعل منها على الخصم، يفقد الردع منطقه، ويتحوّل إلى مقامرة محفوفة بنتائج عكسية.
إغلاق مضيق هرمز، أو حتى الاقتراب الجدي من هذا السيناريو، لا يهدّد خصوم إيران وحدهم، بل يضرب شريانها الاقتصادي الأساسي، ويُسرّع عزلتها، ويمنح القوى الكبرى الذريعة القانونية والسياسية لتدويل الممر بالكامل. عند هذه النقطة، يتحوّل التهديد من أداة ردع إلى اعتراف ضمني بغياب البدائل.
٤- إدارة الجغرافيا بدل استخدامها: نماذج الردع البديل
في مقابل هذا المنطق، قدّمت بعض الدول الإقليمية نموذجاً مغايراً في التعامل مع المخاطر الجغرافية. فالسعودية، بعد الحرب العراقية-الإيرانية، لم تتعامل مع التهديد الإيراني بوصفه خطاباً سياسياً ظرفياً، بل بوصفه احتمالاً استراتيجياً ينبغي تحييده. جاء إنشاء خط أنابيب الشرق-الغرب، الممتد إلى موانئ البحر الأحمر، تعبيراً عن عقلية دولة تستثمر في البدائل بدل التهديدات. بهذا الخيار، لم تُلغِ الرياض أهمية مضيق هرمز، لكنها نزعت عنه صفة الاحتكار، وحيّدته كأداة ابتزاز محتملة.
وتتعزّز هذه التحوّلات مع بروز البحر المتوسط كأفق استراتيجي طويل الأمد. فالتاريخ الطاقوي يُظهر أن كل ممر يُستثمر فيه كأداة ضغط يُقابَل، عاجلاً أو آجلاً، بمحاولات لتجاوزه. ومع تغيّر موازين القوى وإعادة فتح خرائط المشرق، يدخل المسار المتوسطي — عبر العراق وسوريا — ضمن التفكير الاستراتيجي المستقبلي، حتى وإن لم يتحوّل بعد إلى مشروع تنفيذي. مجرد إدراجه في الحسابات يكفي لتقليص القيمة الردعية لمضيق هرمز.
٥- إيران وأسْر المضيق: مفارقة الاختناق الذاتي
من منظور تحليلي معمّق، تجد إيران نفسها أمام مأزق بنيوي مزدوج. فمن جهة، يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على مضيق هرمز، ما يجعل أي تهديد تصعيدي أكثر كلفة عليها مما هو على خصومها. ومن جهة ثانية، تؤدي البدائل الإقليمية والدولية المتراكمة إلى تقليص فعالية هذا التهديد، وتحويله إلى عامل تسريع لديناميات التدويل والعزل بدل فرض شروط تفاوضية جديدة.
هكذا، ينقلب منطق الجغرافيا على صاحبه: فالممر الذي يُستخدم للابتزاز يتحوّل إلى نقطة اختناق ذاتي، وأي تصعيد فيه لا يعيد إنتاج الردع، بل يسرّع فقدانه.
٦- التحصين الدولي والبدائل المستقبلية
تكشف تجربة مضيق هرمز أن النظام الدولي يميل إلى تحصين الممرات الحيوية وتطوير البدائل كلما ارتفع منسوب التهديد. فعلى سبيل المثال، توسّعت شبكات الأنابيب العالمية لتقليل الاعتماد على مضائق محددة، وتزايدت قدرات النقل البحري البعيد المدى، وجرى تعزيز التعاون الأمني المتعدد الأطراف لضمان انسياب النفط والغاز. هذه الديناميات تعكس حقيقة مركزية: كل محاولة لابتزاز العالم عبر الممرات البحرية تقابلها تحوّلات مؤسسية وتقنية تقلل من فعاليتها، وتحوّل منطق الردع إلى لعبة صفرية الخاسر فيها غالباً من يهدّد أولاً.
خاتمة: ما بعد مضيق هرمز
يُظهر المنهج التاريخي بوضوح أن النظام الدولي لا يستجيب لابتزاز الممرات بالخضوع، بل بإعادة الهندسة. وكلما ارتفع منسوب التهديد، تسارعت عمليات التحصين، وبناء البدائل، وتدويل الممرات الحيوية. من هذا المنظور، لا يمثّل التلويح بإغلاق مضيق هرمز ذروة القوة الإيرانية، بل علامة على حدودها الاستراتيجية.
هكذا، لا تنتهي جغرافيا الابتزاز بمواجهة مباشرة، بل بتجاوزها. فالتاريخ لا يعاقب من يهدد، بل من يسيء قراءة تحوّلات القوة، ما يجعل من مفهوم الردع الجغرافي التقليدي أداة تتآكل بسرعة أمام قوة التنسيق والابتكار الدولي.
* أكاديمي - باحث في الشؤون الجيوسياسية
نبض