سفينة السلام ورياح القوى

مقالات 30-01-2026 | 06:20

سفينة السلام ورياح القوى

لم تخلُ مسيرة المنظمة من بصيص ضوء، فقد نجحت تارة في تهدئة نزاع صغير، وتارة في وضع حد لعاصفة موقتة من العنف، أو تقديم مساعدات عاجلة للضحايا
سفينة السلام ورياح القوى
ترامب خلال توقيع ميثاق "مجلس السلام" في منتدى دافوس (أ ف ب).
Smaller Bigger

منذ لحظة ميلادها عام 1945، بعد أن تركت الحرب العالمية الثانية العالم ممزقاً كالورق في مهب الريح، حملت الأمم المتحدة على أكتافها عبء حلم السلام الأبدي. حلم يرفرف على الأجساد المدمرة، ويحاول أن يجد طريقه بين جدران المصالح الكبرى، لكنه كثيراً ما اصطدم بالفيتو، فحُرم من الجناحين ليحلق فوق النزاعات.

 

لم تخلُ مسيرة المنظمة من بصيص ضوء، فقد نجحت تارة في تهدئة نزاع صغير، وتارة في وضع حد لعاصفة موقتة من العنف، أو تقديم مساعدات عاجلة للضحايا، لكنها لم تتمكن، كما لو كانت سفينة في بحر هائج، من الوصول إلى بر الاستقرار الشامل أو منع المجازر الجماعية التي مزقت شعوباً بكاملها.

 

في الكونغو بعد الاستقلال عام 1960، تاهت الأمم المتحدة في متاهة العنف، راح ضحيتها آلاف المدنيين، لتغدو شاهدة عاجزة أمام مأساة مكتوبة سلفا. ورواندا عام 1994، ذلك الفصل الأسود من التاريخ الحديث، شهد مقتل نحو 800 ألف شخص في 100 يوم، بينما قوات حفظ السلام لم تكن أكثر من ظل عاجز عن لجم السكين الممسوكة بيد الجماهير الغاضبة.

 

وفي أماكن أخرى، تكررت الكوارث ذاتها: الصومال، دارفور، وسريلانكا، إذ تبخرت فكرة الحماية، وتحولت شعارات الإنسانية إلى صدى خافت لا يسمعه سوى الضحايا. وفي ميانمار، تراجعت الأمم المتحدة إلى حدود البيانات والشجب حين عانت أقلية الروهينغا من التهجير القسري والاضطهاد الدموي، لتظل الجرائم مستمرة بلا رادع.

 

وعلى صعيد الصراعات الدولية الكبرى، فشلت القرارات في فلسطين وإسرائيل، مثلها مثل حكاية السنجاب الذي يجري بلا نهاية على عجلة السياسة، محكومة بمصالح القوى الكبرى، وفيتو واشنطن يحول كل محاولة لإصلاح الأمر إلى حلم مستحيل. العراق مثال آخر: التدخلات العسكرية والسياسات العقابية لم تضمن استقرارا دائما، بل خلقت فراغا أمنيا وعرضت المدنيين لعنف متواصل، وكأن القرار الأممي كان ورقة تتلاشى بين أصابع الريح.

 

وفي أفغانستان، منذ سقوط النظام السابق مرورا بعودة طالبان، وجدت الأمم المتحدة نفسها في مأزق بين دعم حقوق الإنسان وبين واقع القوة على الأرض، لتتحول المساعدات إلى محاولات إسعافية لا توقف نزيف الخوف والجوع. أما فنزويلا، فقد كان اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته وصمة عار على المجتمع الدولي، جعلت الواقعة رمزا آخر لفشل المنظمة في حماية الأنظمة الشرعية ومواجهة الأزمات السياسية الخطرة.

 

ولا يخفى أن أزمة اللاجئين والهجرات القسرية تكشف ضعف المنظمة أكثر من أي شيء آخر، فملايين الفلسطينيين والسوريين والأفغان عاشوا بين ضنك الانتظار وبؤس الهجر، في حين بقيت مفوضية اللاجئين محاولة هشة لتقليل الضرر، لا حلا جذريا، وكأن الأمم المتحدة تسكب الماء على نار لا تنطفئ.

 

أسباب هذا الفشل ليست غامضة: الفيتو الذي يغلق الأبواب، غياب الإرادة السياسية لدى الدول الكبرى، قيود قواعد الاشتباك التي تحصر قوات حفظ السلام بين الدفاع عن النفس والتفرج على الموت، وغياب آليات التنفيذ القسرية، ليصبح القرار مجرد ورقة تتراقص في مهب السياسة، بلا صدى في الواقع.

 

في خاتمة المطاف، تظل الأمم المتحدة، رغم شعاراتها المضيئة كنجوم في سماء الليل، مقيدة بين خيوط المصالح والصراعات الإقليمية، عاجزة عن تحقيق السلام الشامل أو منع المجازر الجماعية. هي سفينة تكافح الأمواج، بين نجاحات محدودة وإخفاقات دامغة، تعكس محدودية النظام الدولي حين تصطدم القيم الأخلاقية بمطامح القوة.

 

واليوم، وفي ظل عالم يئن تحت وطأة الإخفاقات المتكررة، والانحدار الأخلاقي المطلق، يظل السؤال المباح: هل تكمن إشكالية الأمم المتحدة في كيانها ذاته، أم في الدول الكبرى التي تعيق تنفيذ مبادراتها كلما ارتطمت مصالحها بجدار السلام؟

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 1/29/2026 3:45:00 PM
عودة إلى مسيرة هدى شعراوي، الممثلة السورية التي رحلت عن عالمنا اليوم مقتولةً، بعد أن دخلت الذاكرة الشعبية باسم "أم زكي".
سياسة 1/29/2026 10:35:00 AM
العسكريون المتقاعدون ينتظرون وعداً من سلام لرفع رواتبهم إلى 85 في المئة من قيمتها الفعلية للعام 2019 ويؤكدون أن التصعيد في مقابل عدم الاتفاق.
فن ومشاهير 1/29/2026 3:20:00 PM
شعراوي قُتلِت على يد عاملة المنزل التي لاذت بالفرار عقب الجريمة.
فن ومشاهير 1/29/2026 8:53:00 PM
ما إن فتح أحد الأحفاد الباب حتى شمّ رائحة حريق. دخل مسرعاً بدافع القلق، ليعثر على جدّته ممدّدة على سريرها...