العالم العربي
29-01-2026 | 09:17
العراق يستقبل عناصر "داعش" من سوريا: هل تعود الكوابيس القديمة؟
الحكومة العراقية تؤكد أن المعتقلين سيوضعون في "سجون محصنة بتحصينات عالية وقدرات متقدمة"، لكن التجربة السابقة تثير المخاوف.
الامن السوري في محيط سجن الأقطان في الرقة
لم يكن ليل العشرين من كانون الثاني/ يناير الجاري عادياً في سماء العراق حيث كانت مروحيات أميركية تحلق على ارتفاع منخفض، وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة، والسبب شحنة بشرية يذكر خطرها بعودة كابوس شهدته البلاد قبل سبع سنوات.
150 معتقلًا من تنظيم "داعش" ينقلون من سجن الحسكة في شمال شرقي سوريا إلى سجون محصنة داخل العراق. لكن الأمر لم ينته على ذلك، فبعدها بأيام، وصلت دفعة ثانية بالحذر والسرية غير المسبوقين نفسهما، في مشهد يعيد فتح جروح لم تندمل بعد في ذاكرة العراقيين.
بحسب القيادة الأميركية ستشمل هذه العملية نقل ما يصل إلى 7 آلاف داعشي من سوريا إلى العراق، في خطوة وصفتها بـ"الاستباقية" لمنع انفلات أمني محتمل بعد اشتباكات بين قوات سوريا الديموقراطية (قسد) والحكومة السورية الجديدة.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل العراق مستعد لاستقبال هذا العدد الضخم من الإرهابيين الذين كانوا جزءاً من أحلك الفصول في تاريخه الحديث؟
عودة إلى الكابوس
بالعودة قليلاً إلى الوراء ومراجعة تاريخ "داعش" في العراق، ندرك أن الحديث ليس عن مجرد معتقلين عاديين، فهؤلاء ارتكبوا مجزرة سبايكر التي صنفتها الأمم المتحد جريمة إبادة جماعية راح ضحيتها قرابة 200 جندي عراقي، واستعبدوا النساء الإيزيديات في سنجار، وحولوا الفلوجة والرمادي إلى أنقاض.
وعندما سقطت الموصل في حزيران/ يونيو 2014، رفعوا الراية السوداء فوق المدينة وأعلنوا إقامة دولتهم، ليشهد العالم ولادة أحد أكثر التنظيمات الإرهابية دموية في التاريخ الحديث.
القضاء على "داعش" لم يكن سهلاً، إذ استغرق الأمر ثلاث سنوات من القتال الشرس، ففي نهاية 2017 أعلن العراق عن طرد التنظيم من آخر معاقله في القائم والحويجة، لكن الثمن كان باهظاً: آلاف القتلى ودمار هائل، مدينة الموصل تحولت إلى أطلال، والفلوجة ما زالت تعاني من آثار الحرب، ومئات آلاف النازحين لم يعودوا إلى بيوتهم حتى الآن.
قرار مثير للجدل
الحكومة العراقية حاولت تبرير القرار بالقول إنها "خطوة استباقية للدفاع عن الأمن القومي العراقي"، وأشار المتحدث باسمها إلى أن الوضع غير المستقر في سوريا جعل بقاء هؤلاء المعتقلين خطراً حقيقياً بسبب احتمال هروبهم. لكن التبرير لم يقنع الكثيرين، بخاصة أن العراق نفسه ما زال يعاني من خلايا نائمة للتنظيم تنفذ عمليات بين الحين والآخر في الموصل وديالى وصلاح الدين.
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن من بين المنقولين 85 عراقياً و65 أجنبياً، بينهم أوروبيون وسودانيون وصوماليون وأشخاص من دول القوقاز، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وهؤلاء ليسوا مجرد مقاتلين عاديين، بل قيادات وعناصر من "المستويات الأولى" في التنظيم، كما أكد المتحدث الحكومي.
سجون عراقية تحت الضغط
الحكومة العراقية تؤكد أن المعتقلين سيوضعون في "سجون محصنة بتحصينات عالية وقدرات متقدمة"، لكن التجربة السابقة تثير المخاوف. ففي كانون الثاني/ يناير 2022، شن تنظيم "داعش" هجوماً واسعاً على سجن غويران في الحسكة السورية في محاولة لتحرير عناصره، واستمرت المعركة أياماً. وفي العراق نفسه، نفذ التنظيم عمليات مماثلة في الماضي.
السؤال الحقيقي: هل السجون العراقية قادرة على احتواء هذا العدد الهائل من الإرهابيين الخطرين؟ وماذا لو نجحت خلاياهم النائمة في تنفيذ عملية إنقاذ مماثلة داخل الأراضي العراقية؟ الذاكرة العراقية لم تنسَ كيف تمكن "داعش" من الانتشار بسرعة مذهلة في 2014، مستفيداً من ضعف الأجهزة الأمنية والانقسامات الطائفية.
المجتمع الدولي يتنصل
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني دعا دول العالم، بخاصة الاتحاد الأوروبي، إلى "تحمل مسؤولياتها واستعادة رعاياها" من عناصر "داعش". لكن الحقيقة المرة هي أن معظم الدول الغربية، ومن بينها فرنسا، رفضت تسلم مواطنيها المتهمين بالانضمام إلى التنظيم خوفاً من الأخطار الأمنية أو لأسباب سياسية داخلية. هذا يعني أن العراق سيضطر لتحمل عبء سجن مئات، وربما آلاف، من الأجانب الذين قدموا إلى أرضه ليدمروها ومحاكمتهم.
الأكثر غرابة أن الحكومة السورية الجديدة أعلنت "التزامها ضمان نجاح العملية الأميركية"، بل إنها مددت وقف إطلاق النار مع "قسد" لمدة 15 يوماً إضافية "دعماً لعملية إخلاء سجناء داعش إلى العراق". دمشق تريد التخلص من هذا الملف المعقد، وواشنطن تريد تأمين المنطقة قبل أي انسحاب محتمل، والعراق يجد نفسه مرة أخرى في قلب العاصفة.
الدرس الذي لم نتعلمه
ما يحدث اليوم يذكرنا بأن الإرهاب ليس ظاهرة عابرة يمكن القضاء عليها بالقوة العسكرية وحدها. "داعش" سيطر على ثلث العراق، ليس فقط بسبب قوته، بل بسبب الفساد والطائفية والتهميش الذي عانت منه مناطق كاملة. وحتى بعد هزيمته عسكرياً في 2017، ظلت الأسباب الجذرية قائمة: البطالة، الفقر، غياب الخدمات، والشعور بالظلم.
استقبال آلاف المعتقلين من "داعش" ليس مجرد تحدٍ أمني، بل هو اختبار حقيقي لقدرة العراق على التعامل مع ملف العدالة الانتقالية. كيف ستحاكم هؤلاء؟ هل ستكون المحاكمات عادلة أم صورية؟ وماذا عن إعادة تأهيل المتورطين بشكل أقل؟ هذه أسئلة لم يجب عنها أحد بشكل مقنع.
عندما حلقت تلك المروحيات الأميركية ليلًا فوق الحدود السورية العراقية، كانت تحمل أكثر من مجرد معتقلين. كانت تحمل ذكريات مؤلمة، ومخاوف مشروعة، وأسئلة صعبة حول مستقبل بلد ما زال يحاول النهوض من تحت أنقاض حرب لم تنته فصولها بعد.
الكابوس القديم قد لا يعود بالشكل نفسه، لكن شبحه سيظل يطارد العراقيين طالما بقيت الأسباب التي سمحت بولادته في المرة الأولى. والسؤال الذي يجب أن يطرحه العراقيون على حكومتهم ليس فقط: هل سجوننا آمنة؟ بل: هل تعلمنا الدرس؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
المشرق-العربي
1/28/2026 6:04:00 PM
أكدت العائلة في ختام بيانها شجبها للجريمة، ودعاءها لابنتها بالرحمة
منبر
1/28/2026 10:07:00 AM
لقد توفيتُ منذ دقيقتين…لم أمتْ فوراً.توقّف الوقت أولًا… ثم تذكّرتُ اسمي.
اقتصاد وأعمال
1/26/2026 5:43:00 AM
قانون الإيجارات لا يجوز تطبيقه جزئيا، "لأنه قائم في أساسه على وجود اللجان والصندوق
اقتصاد وأعمال
1/28/2026 11:09:00 AM
أكدت مجموعة الحبتور احتفاظها الكامل بكافة حقوقها، ومواصلتها اتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية مناسبة، وفقاً للاتفاقيات الدولية والأطر القانونية ذات الصلة.
نبض