مناجم الليثيوم والكوبالت بأهمية منابع النفط للمستقبل
الصراعات الدولية الجديدة التي تعتمد على سباق تكنولوجي ورقمي مُخيف، تتطلَّع إلى توسيع النفوذ في مناطق حساسة من العالم فيها معادن ثمينة أثبتت تجارب الشركات الكبرى أن المخزون منها سيكون له تأثيرات واسعة على مستقبل قطاعات النقل والكهرباء والصناعة والاتصالات، قد توازي تأثيرات النفط والغاز، نظراً لحاجة آليات إنتاج الطاقة المُتجدِّدة إلى هذه المواد.
انتقاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لحلفائه الأوروبيين في منتدى دافوس (18 إلى 23 كانون الثاني/ يناير 2026) جاء بشكل تهكمي، لأنهم بالغوا في الاستثمار بالطاقة المُتجدِّدة، أي انتاج الكهرباء من الشمس والضوء والرياح والمياه، وتقليل الاعتماد على الطاقة الأحفورية (نفط وغاز) بحيث وصل إنتاجهم إلى ما يقارب 43 بالمئة من حاجتهم الاستهلاكية للكهرباء. والطاقة المُتجدِّدة لا تحتاج الى إمدادات النفط والغاز، ولا إلى أمن جيوسياسي، وهي بمثابة صناعات محلية، تخفي عوامل قوة كثيرة.

في الحراك الاستراتيجي الأميركي الكبير الذي حصل في المدة الأخيرة بتوجيه من الرئيس ترامب، أو بمتابعة شخصية مباشرة منه، برز مُعطى إضافي بيّنته سطور الاستراتيجية الخارجية الجديدة (أميركا أولاً) والتي أُعلنت في 6 كانون الأول/ ديسمبر 2025، وفيه أن النفوذ الخارجي لتوفير أمن لموارد الطاقة وأسعارها، لم يَعُد يقتصر على وسط آسيا والشرق الأوسط والمنطقة العربية تحديداً، بل سيشمل تفعيل "خطة مونرو" التي تقضي بمنع أي نفوذ خارجي في شمال القارة الأميركية وجنوبها، كما الوصول إلى الساحات الواعدة في مخزونها من المعادن الثمينة.
وتبَيَن أن الولايات المتحدة الأميركية التي تأتي في آخر سُلَم الدول التي تعتمد على الطاقة الكهربائية المُتجددة (19 بالمئة فقط وفق إحصائية 2025)، بدأت تشعُر بأنها تغيب عن ساحة التأثير على قطاعٍ واعد، وهو مُتحرِّر من التأثيرات الجيو- عسكرية، ومن الممرات البحرية الاستراتيجية، وتتقدَّم الصين والاتحاد الأوروبي في هذا السياق، والجهتان تحتاجان أكثر من غيرهما للنفط والغاز الطبيعي، ويؤرقهما على الدوام ملف الوصول إلى الأسواق وأسعار هذه السلع، خصوصاً بعد اندلاع حرب أوكرانيا عام 2022 والتوترات الكبيرة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط. ومقاطعة واشنطن لاتفاقية باريس للمناخ، وتبعاتها، لم تُثنِ غالبية دول العالم عن السير في ركاب التخفيف من الانبعاثات الحرارية الناتجة من احتراق الطاقة الأحفورية، وزيادة الاستثمارات في ميدان إنتاج الطاقة المتجددة الخضراء.
بودرة الليثيوم الكيميائية ومعدن كوبالت الناعم، يُعتبران حجر الزاوية في صناعة وسائل إنتاج الكهرباء النظيفة وتخزينها، ومن دونهما لا يمكن الولوج إلى مراحل لاحقة مهمة في هذا الميدان، حتى أن الدول النفطية ذاتها، بدأت تُنتج كميات هائلة من الكهرباء بواسطة الألواح الشمسية والرياح، إذ لديها مساحات أرضية شاسعة، والشمس تسطع فيها غالبية أيام السنة، وتقدر الشركات المتابعة إنتاج منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من الكهرباء المتجددة في عام 2025، بما يزيد عن 44 ألف ميغاواط، وهي تشكل ما يقارب 40 بالمئة من الاستهلاك. والتقنيات الحديثة بدأت تستثمر في حقول لإنتاج الكهرباء من الضوء أيضاً.
الدول الكبرى شرعت في البحث عن مناجم وجود الليثيوم والكوبالت، لتتمكن من الاستثمار فيها كمعادن واعدة وضرورية لمستقبل الطاقة. والولايات المتحدة الأميركية خصوصاً، اكتشفت أن النفوذ في المناطق التي توجد فيها هذه المعادن ضروري لضبط الانفلات الذي قد يؤدي إلى الاستغناء عن جزء كبير من الطاقة الأحفورية، وهي وظَّفت مبالغ مالية كبيرة في هذا القطاع منذ سنوات، وستتعرَّض شركاتها لخسائر إذا تراجعت أهمية النفط، كما سيتراجع تأثيرها على الكثير من القضايا الدولية، وهي بسبب ذلك، أعلنت عن خطط عسكرية وسياسية وربما مالية، لتأمين نفوذ لها في الدول التي يوجد فيها مخزون مهم من هذه المواد، وعن طُرق إيصالها إلى مواقع الإنتاج، لكي تتدخل عند اللّزوم.
التنافس على وسط إفريقيا، وعلى وسط آسيا، يأتي في هذا السياق. وطلب ضمّ جزيرة غرينلاند العملاقة إلى الولايات المتحدة الأميركية، ليس بعيداً من هذه المقاربات. والمعلومات المتوافرة تؤكد وجود كميات كبيرة من النفط والغاز والمعادن الثمينة تحت مساحات الجليد فيها.
وبرأي المتابعين للرؤى الأميركية، فإن هذه المقاربات الجديدة التي تمتد من جنوب القارة الأميركية مروراً بفنزويلا وكندا وصولاً إلى أوكرانيا ووسط آسيا، ليست طموحات شخصية ترامبية فحسب، بل هي استراتيجية أميركية مدروسة من الخبراء المؤثرين بالحكومة الخفية التي لا تغفل عن أي شيء يتعلَّق بالمستقبل. بالمقابل فإن دولاً أخرى مهمة تتنبَّه الى هذه المقاربات، والبعض من أصحاب الخبرة يُشكِّك في قدرة واشنطن على الهيمنة على قطاع الطاقة المتجددة بالنسبة ذاتها التي تتحكِّم فيها بقطاع الطاقة الأحفورية، ويرى أن الاستراتيجية الأميركية الجديدة، تتبنَّى مفردات سياسية وأمنية واقتصادية وطاقوية قديمة. والدليل أن النمو في الاقتصادين الصيني والأوروبي كان أفضل من النمو بالناتج الأميركي في عام 2025.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض