هل ستعيد واشنطن تمثال الحرية إلى فرنسا؟
دعا الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الاتحاد الأوروبي إلى تفعيل آلية "مكافحة الإكراه الاقتصادي" في حال نفذ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وعيده بفرض رسوم إضافية على الواردات الأوروبية في إطار سياسته للضغط على أوروبا لتسهيل استحواذ بلاده على جزيرة غرينلاند.
أقرت هذه الآلية عام 2023، وتهدف إلى حماية الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه من الضغوط والتهديدات الاقتصادية التي تمارسها دول أو جهات ثالثة بقصد التأثير على قراراتهم السيادية. وعلى الرغم من دخولها حيز التنفيذ فإن الاتحاد الأوروبي لم يلجأ إليها حتى الآن، وعلى ما يبدو، لن يرفعها في وجه الأميركي لا سيما بعد قمة "دافوس"، حيث استطاع ترامب من تسجيل نقاط إضافية لصالحه في ما خصّ النزاع على غرينلاند، فهل الخلاف بين ماكرون وترامب شخصاني، أم يحمل أبعاده التاريخية؟
لا يوفر الرئيس الأميركي مناسبة إلا ويظهر فيها عدم الاحترام "بالشخصي" إلى ماكرون، فعلى سبيل المثال، سخر ترامب من ماكرون أمام الحضور في المنتدى العالمي، في دافوس 2026 الذي عقد في دورته الـ56، بسبب النظارات الشمسية التي كان يرتديها قائلاً "رأيته أمس بتلك النظارات الجميلة، فما الذي حدث بحق الجحيم؟ وسط ضحكات الجمهور. هذا وكان ترامب قد هدد ماكرون على منصته "تروث سوشال" بفرض رسوم جمركية عالية على النبيذ والشمبانيا الفرنسية في محاولة للضغط على ماكرون على خطته الدولية مثل "مجلس السلام".

جدال ليس وليد الملفات الساخنة، وطبعاً ليس بدافع الثأر الشخصي بين الرجلين، لكنه يحمل الكثير من العداء التاريخي، وقد يكون فيه شيئاً من "عقد التفلت" الأميركي من التاريخ، لاسيما في ما خصّ إهداء فرنسا تمثال الحرية في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 1886، كهدية صداقة احتفالاً بالذكرى المؤية لاستقلال أميركا، بعدما لعبت فرنسا دوراً حاسماً في مساعدة أميركا على نيل استقلالها خلال حرب الاستقلال الأميركية (1775-1783).
الواضح أن شخصية الرئيس ترامب تمجد "محورية الذات"، وما شعار "أميركا أولًا" إلا دلالة على ذلك، وهذا ما عبّر عنه في كلمته في دافوس أمام الحشود الرسمية الحاضرة، والتي تلخصت بعبارة "لولا الولايات المتحدة لما نما اقتصادكم ولولا القوة العسكرية الأميركية لكان انهار حلف شمال الأطلسي، وأصبحت عواصم كثيرة تحت وطأة الاحتلال".
لا يرتبط الموقف الأميركي بشخص الرئيس ترامب، فهو مسار لنهج أميركي بعد الحرب العالمية الثانية عندما أعادت واشنطن تموضعها في النظام العالمي الجديد عبر السعي الدائم لإقصاء الدور الأوروبي الذي كان متمثلًا في اللاعبين الفرنسي والبريطاني. إذ عمد الرئيس السابق دوايت ديفيد أيزنهاور (1953- 1961) في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 والذي شاركت فيه باريس ولندن إلى جانب تل أبيب بهدف "لي" ذراع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، إلى القضاء على فكر العودة إلى تاريخ الانتداب الفرنسي والبريطاني على منطقة الشرق الأوسط من البوابة المصرية.
يرسم الأميركي اليوم مسار الذهاب نحو صياغة نظام عالمي جديد، على اعتبار أنّ إضعاف الدور الأوروبي واجب أميركي. فالمنظور الأميركي، يعتبر أن بناء هذا الاتحاد عام 1990 كان لـ"فرملة" الاندفاعة الأميركية نحو تكريس مفهوم "الأمركة" بدل العولمة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. لهذا تعتبر الفلسفة "الترامبية"، أن الوضع الطبيعي لأوروبا، يجب أن يعود إلى ما بعد خطة "مارشال" ليس من أجل إنقاذ أوروبا من براثن الشيوعي الذي كان يمتد إلى العامل الأوروبي، لكن بهدف وضعها تحت الوصاية الأميركية، لأنّ الخطة حاكت الصعيدين الاقتصادي والثقافي أي نشر الفكر الأميركي داخل الدول الأوروبية من خلال "غزو" ثقافي عبر الشركات العملاقة.
لا يبدو أن الأمور ذاهبة نحو القطيعة الأوروبية الأميركية، إذ تدرك دول القارة أنها لم تزل عجوزاً، لا بل عاجزة أمام المطرقة الروسية من شرقها، والسندان الأميركي من غربها. فالحرب الطويلة في أوكرانيا أظهرت عجزاً أوروبياً في الوقوف وحيدة أمام الدب الروسي، لهذا أتى المنتدى في دافوس لصالح واشنطن ورافضاً لمطالب ماكرون.
كشفت مصادر عن أن مشروع الاتفاق بين الولايات المتحدة وحلف الناتو، بشأن غرينلاند، يتضمن أطراً عدة. أبرزها ما يتعلق بالمواد الخام، فضلًا عن تعزيز اتفاقية الدفاع عن الجزيرة لعام 1951، على أن تبقى ملكية الجزيرة للدنمارك.
تحت شعار "لا يموت الذيب، ولا يفنى الغنم"، وجدت أوروبا نفسها خاضعة لمطالب واشنطن، وأعادت نفسها إلى "بيت الطاعة"، ووجد الفرنسي نفسه للمرة الثانية يغرّد خارج السرب، كما كان حاله عام 1956 عندما دعا إلى إقامة "جيش أوروبي" بعيداً عن حلف شمال الأطلسي.
لن يعيد الأميركي، تمثال الحرية، فهذا من باب التأكيد، ولكنه في الوقت نفسه استغل الخلاف "الشخصاني" بين ترامب وماكرون، ليقضي على طموحات فرنسا، التي قدمت عرضاً نووياً لدول أوروبا تحت عنوان "نشر مظلة نووية" دون أن تلقى آذاناً صاغية. لهذا لن نعطي ترامب مديحاً لرجل يحب الإطراء، ولكنّنا سنكون واقعيين في قراءتنا لنؤكد أن "زمن العصر الأميركي" ينبعث من جديد، والأكيد سيخرج علينا مفكر شبيه بفرنسيس فوكوياما ليحدثنا عن "نهاية التاريخ، وانتصار البراغماتية الأميركية".
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض