روسيا والقوميون الأوروبيون: نهاية الاتحاد الأوروبي والتفكيك المحتمل...

آراء 25-01-2026 | 06:11

روسيا والقوميون الأوروبيون: نهاية الاتحاد الأوروبي والتفكيك المحتمل...

في قلب الساحة السياسية العالمية، يبرز السؤال حول تأثير السياسة الروسية على المثقفين والقوميين الأوروبيين الذين يرون في روسيا القوة المهيمنة التي قد تعيد ترتيب موازين القوى في أوروبا.
روسيا والقوميون الأوروبيون: نهاية الاتحاد الأوروبي والتفكيك المحتمل...
صورة وزعتها وكالة سبوتنيك الروسية الرسمية، وفيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يزور معهد موسكو للفيزياء والتكنولوجيا في دولغوبرودني في 23 يناير 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

د. خالد العزي*

 

 

في قلب الساحة السياسية العالمية، يبرز السؤال حول تأثير السياسة الروسية على المثقفين والقوميين الأوروبيين الذين يرون في روسيا القوة المهيمنة التي قد تعيد ترتيب موازين القوى في أوروبا.


مع تصاعد الحرب الروسية في أوكرانيا وتداعياتها العميقة على العالم، تتزايد الدعوات لتفكيك الاتحاد الأوروبي، الذي كان من المفترض أن يكون قوة اقتصادية معززة للتعاون والسلام. لكن مع مرور الوقت، أصبح الاتحاد الأوروبي محورًا لمشكلات وتناقضات تتراكم يوماً بعد يوم، مما يجعله بعيدًا عن المبادئ التي تأسّس عليها.

 

روسيا والاتحاد الأوروبي: رؤية التفكيك والسيطرة

 

 

من خلال السياسة الروسية الحالية، يتزايد التأكيد على ضرورة تفكيك الاتحاد الأوروبي، إذ يُنظر إليه ككيان هشّ لا يعكس مصالح أعضائه بشكل كامل. هذا التوجه الروسي، الذي يعكس رؤية قومية وطابعاً إمبراطورياً، يسعى إلى استبدال التكامل الاقتصادي بالهيمنة السياسية والعسكرية، مع التركيز على إضعاف الكيانات التي تعتبرها موسكو تهديدًا. وهذا يثير تساؤلاً مهماً: هل يمكن لروسيا، التي تواجه تحدّيات داخلية عديدة، أن تهيمن على أوروبا وتعيد تشكيلها بما يتناسب مع مصالحها؟

 

 

 

المفكرون القوميون، سواء في روسيا أم في بعض الأوساط الأوروبية، يرون أن نهاية الاتحاد الأوروبي قد تكون ضرورة تاريخية. فالاتحاد، الذي بدأ كمشروع اقتصادي لتسهيل التعاون بين الدول الأوروبية، تحوّل إلى شيء آخر. لم يعد مقتصرًا على المجالات الاقتصادية فقط، بل توسّع ليشمل السياسات العسكرية والسياسية، مع تمرير سياسات لا تحترم سيادة الدول الأعضاء وتهدّد استقرارها الداخلي. في هذا السياق، قد تكون الحرب الروسية في أوكرانيا أداة تستخدمها موسكو لتفكيك الاتحاد من الداخل، رغم التحديات التي تواجهها على جبهات أخرى.

 

ديمتري ميدفيديف وإيلون ماسك: رؤى تفكيك الاتحاد الأوروبي

ديمتري ميدفيديف، الرئيس الروسي السابق، ونائب رئيس مجلس الأمن الروسي، وصف الاتحاد الأوروبي بـ "الكيان الفاشل" الذي يجب تفكيكه. في تصريحات سابقة، أشار ميدفيديف إلى أن سياسات الاتحاد تُزعزع استقرار الدول الأعضاء وتُعزز الانقسامات الداخلية، مما يعكس سعي روسيا لتقويض الاتحاد الأوروبي عبر الإشارة إلى فشله في تحقيق توازن بين مصالح أعضائه. من ناحية أخرى، يشارك بعض المفكرين والمبدعين مثل إيلون ماسك هذه الرؤية، حيث اعتبر أن الاتحاد الأوروبي قد تحوّل من اتحاد اقتصادي إلى كيان عسكري يقيّد حريّة التنقّل ويعتمد قبضة حديدية على الدول الأعضاء، مما يُقلّل من فاعليته كمشروع اقتصادي موحّد.

 

الواقع المروّع للاتحاد الأوروبي: عسكرة وقيود على الحريات

 

مع تصاعد الحرب في أوكرانيا، بدأ يظهر تراجع تدريجيّ لأسس الاتحاد الأوروبي التي كانت تضمن التعاون الاقتصادي والحقوق الأساسية. يواجه الاتحاد الأوروبي تحوّلات غير متوقّعة، حيث تتفكك القيم التي بُني عليها مثل الديمقراطية، حقوق الإنسان، وسيادة القانون. في ظل الأزمة الأوكرانية، تحوّلت حريّة التنقل إلى قيود، وأُلغيت العديد من الحقوق الأساسية التي كانت مُعترفًا بها خلال جائحة كوفيد-19.

 

لقد أصبح الاتحاد الأوروبي، الذي كان في السابق نموذجًا للتعاون الاقتصادي، مكانًا تتضارب فيه المصالح وتتصاعد فيه التوترات بين الدول الأعضاء. هذا التغير في الطابع السياسي والاقتصادي يُشكل تهديدًا خطيرًا للوحدة الأوروبية التي كانت تهدف إلى تجنب الحروب والصراعات داخل القارة.

 

القوى الخفية داخل الاتحاد: التحول نحو الاتحاد العسكري

 

 

التوجهات الحالية للاتحاد الأوروبي تشير إلى تحول تدريجي من اتحاد اقتصادي إلى اتحاد عسكري. تحت قيادة شخصيات مثل أورسولا فون دير لاين، الرئيسة الحالية للمفوضية الأوروبية، أصبح الاتحاد الأوروبي أكثر تركيزًا على بناء قوة عسكرية مشتركة، وهو ما يتعارض مع معاهداته التأسيسية. يبدو أن هذا التحول في السياسة الأوروبية يُعزز التحركات العسكرية في المنطقة، خاصة في سياق الحرب في أوكرانيا. وقد تكون هذه التحولات العسكرية بمثابة محاولة لتوحيد الدول الأعضاء خلف القيادة الألمانية، رغم أن هذا قد يخلق المزيد من الانقسامات الداخلية.

 

التحديات الاقتصادية والتجارية

 

 

في البداية، استفادت البرتغال من الاتحاد الأوروبي عبر تحسين بنيتها التحتية وتطوير صناعات مثل صناعة النبيذ. مع مرور الوقت، فرض الاتحاد الأوروبي قيودًا قاسية على قطاعات مهمّة مثل صناعة صيد الأسماك والمنتجات الزراعية، مما أدى إلى تدمير العديد من الصناعات الوطنية. السياسات الاقتصادية للاتحاد، التي كان من المفترض أن تكون عادلة، جعلت العديد من الدول الأعضاء تعتمد أكثر على الدعم من الدول الكبرى داخل الاتحاد مثل ألمانيا وفرنسا، مما أفقدها فرص النمو المستدام.

 

إلى جانب التأثيرات الجيوسياسية والاقتصادية، تُظهر السياسة الروسية الأخيرة تجاه الاتحاد الأوروبي أنها قد تؤدي إلى تفكيكه تدريجيًا. فبينما تسعى روسيا لتعزيز موقفها في أوروبا من خلال إشعال التوترات الداخلية، هناك أيضًا فصائل داخل الاتحاد الأوروبي تسعى لتحقيق مواقف أكثر استقلالية تتناقض مع توجهات القيادة الأوروبية الحالية. هذا التحول في السياسة يعكس أزمة عميقة في داخل الاتحاد، وهي أزمة قد لا تنتهي بسهولة، خاصة في ظلّ تصاعد المواقف المناهضة لسياسات الاتحاد.

 

قد يكون مستقبل الاتحاد الأوروبي محاطًا بتحديات تؤدي إلى تغييرات جذرية في هيكله السياسي والاقتصادي، مما يفتح المجال أمام القوى الأخرى لتوسيع نفوذها في القارة. في الوقت الذي تواجه فيه روسيا تحديات داخلية، تستغلّ سياستها الخارجية لتعزيز التفكّك في داخل الاتحاد الأوروبي، مستفيدة من الأزمات الداخلية في أوروبا. بينما يرى بعض المثقفين والقوميين الأوروبيين في روسيا قوة قادرة على إعادة تشكيل القارة، فإن الحقيقة تظلّ أن روسيا، التي تعاني من مشكلات ضخمة داخليًا، تسعى لخلق الفوضى داخل الاتحاد الأوروبي لتعزيز القومية على حساب التكامل الأوروبي. الحرب في أوكرانيا ليست مجرّد صراع عسكري، بل هي صراع على مفهوم الاتحاد الأوروبي نفسه، مما يساهم في تعزيز القوى التي تدعو لتفكيكه.

 

في النهاية، تشير الأحداث الحالية إلى أن روسيا قد تستغل التحديات الداخلية في الاتحاد الأوروبي لصالحها، عبر تعزيز تحالفاتها مع القوى القومية المتشددة في مختلف دول أوروبا. هذا التحالف قد يكون جزءًا من استراتيجية موسكو لتقويض الوحدة الأوروبية وتحقيق أهدافها الجيوسياسية، بما في ذلك إضعاف الدعم الغربي لأوكرانيا. وبينما يسعى الاتحاد الأوروبي للحفاظ على استقراره وتماسكه، فإنه يواجه مهمة صعبة في مواجهة هذه الضغوط الداخلية والخارجية. ومع تصاعد الأزمة الأوكرانية، قد يصبح الاتحاد أكثر تعرضًا للتحديات التي تهدد وحدته، وهو ما يستدعي استراتيجيات جديدة لتأمين مستقبله بوجه محاولات التفكيك.

 

*كاتب متخصص في الشؤون الروسية

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/23/2026 9:56:00 PM
توقيف محمود منصور المقرّب من ماهر الأسد بعد استدراجه من لبنان إلى القلمون
ثقافة 1/22/2026 6:19:00 PM
10 أعمال لافتة في رمضان بين الدراما والتشويق والكوميديا... والقرار الأخير يبقى للذائقة.
مجتمع 1/24/2026 1:51:00 PM
عون يتابع انهيار مبنى القبة في طرابلس، ويوعز للأجهزة المختصة رفع الأنقاض وإنقاذ العالقين، مع فتح تحقيق لتحديد المسؤوليات.
لبنان 1/24/2026 6:52:00 PM
لا تزال ابنته اليسار، وهي ممرضة في المستشفى الحكومي، مفقودة حتى الساعة.