من 50 ألف كيلومتر إلى بيروت: ما الذي يخبرنا به قطار الصين عن لبنان؟
وارف قميحة*
ليس رقم 50 ألف كيلومتر الذي بلغته شبكة السكك الحديدية عالية السرعة في الصين مجرّد إنجاز هندسي أو سباق أرقام، بل هو تعبير مكثّف عن فلسفة حكم وتنمية تقوم على الرؤية طويلة الأمد، والاستمرارية المؤسسية، وربط البنية التحتية بالإنسان قبل أي اعتبار آخر. هذا المعنى العميق، الذي أبرزته تقارير وتحليلات دولية عدّة، يطرح سؤالًا ملحاً على دولٍ مثل لبنان: ماذا يعني غياب السكك الحديدية اليوم؟ وماذا يمكن أن نتعلّمه من التجربة الصينية؟
نجحت الصين لأن السكك الحديدية لم تُعامل كمشاريع معزولة أو وعود انتخابية قصيرة النفس، بل كركيزة سيادية للتحديث. فمنذ التخطيط المبكر في مطلع الألفية، مروراً بتطوير الشبكة على أساس محاور وطنية متكاملة، وصولاً إلى الابتكار في القطارات الذكية والخضراء، ظلّ المبدأ واحداً: الالتزام بالخطة حتى نهايتها.
في المقابل، يعكس واقع لبنان مفارقة قاسية: بلدٌ كان من أوائل دول المنطقة امتلاكاً لشبكة سكك حديدية ربطت الساحل بالداخل، وربطت بيروت بطرابلس وصيدا والبقاع، تحوّل اليوم إلى مساحة بلا قطار، وبلا رؤية نقل وطنية متكاملة.
القطار كسياسة تنموية وعدالة إقليمية
في التجربة الصينية، لم يكن القطار وسيلة نقل فحسب، بل أداة لكسر العزلة وتحقيق العدالة المكانية. مناطق داخلية وجبلية التحقت بشبكة وطنية فتحت لها الأسواق، وخلقت فرص عمل، وأعادت توزيع ثمار التنمية. هذه المقاربة تُظهر أن البنية التحتية ليست ترفاً اقتصادياً، بل سياسة اجتماعية بامتياز.
لبنان، الذي يعاني من تركز اقتصادي حاد على الشريط الساحلي، ومن عزلة مزمنة لمناطقه الطرفية، يحتاج مقاربة مشابهة تعيد التفكير بدور النقل العام والسكك الحديدية في إنعاش الأرياف، وتخفيف كلفة المعيشة، وتقليص الفوارق بين المناطق. وإذا كان غياب السكك الحديدية في لبنان يُقرأ غالباً من زاوية داخلية، فإن البعد الأعمق يتمثل في فقدان الربط الخارجي. فالقطار اللبناني تاريخياً لم يكن محصوراً داخل الحدود، بل كان جزءاً من منظومة ربط مشرقي-عربي أوسع: من الساحل المتوسطي عبر الداخل الشامي، وصولاً إلى عمق العالم العربي. بهذا الدور، شكّل لبنان بوابة بحرية لاقتصادات الداخل وممراً طبيعياً للتجارة والتنقّل والتبادل الثقافي.
إن تعطّل هذا الربط لا يعني فقط غياب وسيلة نقل، بل انقطاع لبنان عن وظيفة إقليمية كانت تمنحه وزناً اقتصادياً يفوق حجمه. وفي زمن تعود فيه السكك الحديدية عالمياً لتكون العمود الفقري للتكامل العابر للحدود، يبدو هذا الغياب كلفة استراتيجية، لا تفصيلاً تقنياً.
من الانفتاح العالمي إلى سؤال الدولة
لم تحتفظ الصين بثمار تحديثها داخل حدودها. مشاريع مثل سكة جاكرتا–باندونغ، وسكة مومباسا-نيروبي، وسكة الصين-لاوس، تُظهر كيف تحوّلت السكك الحديدية إلى لغة تعاون دولي، لا إلى أداة نفوذ. إنها شراكات نقلت التكنولوجيا، خلقت وظائف وربطت اقتصادات، من دون فرض نماذج سياسية أو شروط هيمنة.
بالنسبة للبنان، الذي يقع على تقاطع تاريخي بين آسيا وأوروبا والعالم العربي، فإن إعادة إحياء السكك الحديدية بوظيفتها الداخلية والخارجية معاً ليست حلماً رومانسياً، بل فرصة واقعية للاندماج مجدداً في شبكات التجارة الإقليمية.
السكك الحديدية اللبنانية ليست فكرة مستوردة، بل جزء من ذاكرة وطنية جماعية. كانت القاطرات يوماً شرياناً اقتصادياً وثقافياً، وجسراً بين المدن والطوائف والمناطق، ووسيلة ربط لبنان بمحيطه. غيابها اليوم يختصر مأزق الدولة: غياب التخطيط، وتفكك القرار، واستبدال الرؤية بالترقيع.
التجربة الصينية لا تُقدَّم كنموذج يُستنسخ حرفياً، بل كدرس: الدولة التي تخطط للمستقبل، وتلتزم بتنفيذ خططها، قادرة على تحويل الجغرافيا من عبء إلى فرصة.
مشهد التحديث الممتد على 50 ألف كيلومتر في الصين ليس بعيداً عن لبنان كما قد يبدو. هو مرآة تُظهر ما يمكن أن تصنعه الإرادة السياسية حين تتقدّم على الحسابات الضيقة، وحين يُنظر إلى البنية التحتية ببعدها الوطني والإقليمي بوصفها استثماراً في الإنسان والموقع والدور.
في عالمٍ تتسابق فيه الدول على وصل ما انقطع، يبقى السؤال اللبناني مفتوحاً: هل نكتفي بالحنين إلى قطار الماضي، أم نجرؤ على رسم سكك المستقبل؟
*رئيس جمعية طريق الحوار اللبناني الصيني، رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض