بئس أصحاب الرّايات

آراء 22-01-2026 | 12:57

بئس أصحاب الرّايات

قال أحد الوزراء اللبنانيين السابقين والمحسوب على "حزب الله"، وإن كان من غير طائفته، إن على دول الخليج أن تدفع تكاليف إعادة إعمار ما هدّمته إسرائيل في حربها الأخيرة على الحزب وقائده في لقاء تلفزيوني
بئس أصحاب الرّايات
صورة تعبيرية
Smaller Bigger

 فؤاد الهاشم* 


يروى عن الرئيس اللبناني الراحل شارل حلو أنه استدعى كل رؤساء تحرير الصحف والمجلات في بلده إلى قصر بعبدا لتناول الشاي والقهوة والحلويات وتجاذب أطراف الحديث! وصل رؤساء التحرير وأصحاب الصحف والمجلات إلى القصر الرئاسي في الموعد المحدد، وعند دخولهم على الرئيس رحب بهم قائلاً جملة صارت الأشهر في تاريخ لبنان السياسي: "أهلاً بكم في بلدكم الثاني... لبنان"!! كانت أغلب تلك الجرائد أو المجلات ترفع أعلام دول عربية وأحياناً أجنبية، ليس بالمعنى الحرفي للجملة، بل عبر انتهاجها خطاً إعلامياً يصبّ في مصلحة هذه الدولة أو تلك أو جهاز مخابرات ناطق بالضاد أو آخر ينطق.. بغيرها! كانت المقالة بثمن، ومانشيت الصفحة الأولى .. بثمن، والكاريكاتير بثمن، صحافة عاشت وما زالت على الطعن بالناصرية مقابل تفخيم البعث! والطعن بالبعث السوري مقابل دعم البعث.. العراقي! الردح ضد دول الخليج مقابل النفخ في أوداج دول الثورات والانقلابات! الهجوم على "الدشاديش والبشوت" مقابل أموال لبيسة البدل العسكرية والمسدسات المتدلية!

قال أحد الوزراء اللبنانيين السابقين والمحسوب على "حزب الله"، وإن كان من غير طائفته، إن على دول الخليج أن تدفع تكاليف إعادة إعمار ما هدّمته إسرائيل في حربها الأخيرة على الحزب وقائده في لقاء تلفزيوني: "راح يدفعوا وإجرن فوق رقابن"! وترجمة كلماته إلى العربية الفصحى هي : "سوف يدفعون صاغرين وأقدامهم فوق.. رقابهم"!! قبل أكثر من 35 عاماً زارنا في الكويت أحد أعمدة الصحافة اللبنانية الكبار فأقامت له وزارة الإعلام حفل عشاء في الأبراج، ويشاء السميع العليم أن يأتي مقعدي مجاوراً له فسألته مازحاً: "زياراتكم يا زميل إلينا صارت أكثر من عدد "الزرازير" فوق شجرة سدر، فما هذا الحب الأفلاطوني؟", فضجك وقال : "من غير مصرياتكم جرايدنا ما راح... تطلع"!! ليس تعالياً ولا منّة، فلبنان بلد عربي وشقيق لكل شعب عربي، لكن ما يحزن النفوس أن اليد الخليجية العليا والتي تعطي وتستثمر وتمنح لا تواجه إلا بالجحود والنكران من قلة سياسية وإعلامية فاسدة لو منحناها جبلاً من ذهب لأرادت ... الثاني! أصدر الأمير الراحل صباح الأحمد أمراً للصندوق الكويتي للتنمية لإنشاء محطة كهرباء عملاقة تريح هذا الشعب المسكين والمبتلي من إعلام فاسد وساسة أفسد من ذلك الانقطاع الدائم في الطاقة، وحين وصل وفد الصدوق إلى بيروت والتقى أولياء الأمر فوجئوا بأن المطلوب منهم أن يدفعوا رشوة تصل إلى 80 مليون دولار لوزير متنفذ داخل الحكومة وإلا "ما بدنا محطة كهرباء"!! تخيل أنك تسير في شارع فتصادف فقيراً يجلس تحت المطر فتمد يدك إليه بورقة نقد، لكنه يرفض ويشترط عليك أن تقدم له رشوة حتى يقبل ... مساعدتك!

رجال أعمال من الخليج ضخوا أموالهم في هذا البلد الجميل والصغير من أجل أن يفيدوا ويستفيدوا، ومنهم على سبيل الذكر لا الحصر رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور، فكان جزاؤه جزاء سنمار، ناله من الشتائم والتهديد والوعيد ما لا تطيق حمله الجبال، والأمر واضح وضوح الشمس في رابعة النهار : "ادفع .. نسكت ثم.. ادفع ثانية حتى نمدح!". أوجه كلمتي تلك إلى الرئاسات الثلاث في لبنان، وأقول إن حوالي مليون لبناني في دول الخليج الست يكسبون رزقهم فاتّقوا غضبة الحليم إن انفجرت وأعادت لكم هؤلاء إلى وطنهم، وتلك بضائعكم رُدت إليكم، فلا تقطعوا أرزاقهم وأرزاق من يعيشون في كنفهم، أعيدوا لبناننا الذي كنا نعرفه، أما لبنانكم هذا فقد صار فارسي اللسان "دولاري" الهوى، وكان حمامة سلام بيضاء، فصار بومة شؤم.. سوداء!! فبئس أصحاب.. الرايات!!

*كاتب كويتي


العلامات الدالة