هل كتب جول فيرن منطق شراء غرينلاند قبل أن تنطقه سياسة ترامب؟

آراء 20-01-2026 | 13:41

هل كتب جول فيرن منطق شراء غرينلاند قبل أن تنطقه سياسة ترامب؟

كيف تنبأ جول فيرن بعصر بيع الأرض؟
هل كتب جول فيرن منطق شراء غرينلاند قبل أن تنطقه سياسة ترامب؟
حين تتحول الجغرافيا إلى صفقة (ذكاء اصطناعي)
Smaller Bigger

شفيق طاهر

 

في رواية "رأسا على عقب" (Sans-dessus-dessous) المنشورة في عام 1889، يتخيل الكاتب الفرنسي الشهير جول فيرن عالماً تعرض فيه السيادة على قطبي الأرض في مزاد دولي، وتختزل الجغرافيا إلى أصل قابل للبيع، ويقدم العبث الهندسي بوصفه طريقاً مشروعاً لتحويل الجليد إلى ثروة. موضوع الرواية لا يقف عند حدود الخيال العلمي، بل يذهب بعيداً في اختبار منطق يرى أن الطبيعة يمكن إخضاعها، وأن الخرائط يمكن إعادة رسمها وفق حسابات الربح والخسارة. ينتهي المشروع إلى فشل مدوٍّ، في سخرية لاذعة من وهم السيطرة المطلقة على العالم، ومن اعتقاد أن التكنولوجيا والمال قادران وحدهما على شراء المستقبل.

 

جول فيرن – رأسًا على عقب (picclick.fr)
جول فيرن – رأسًا على عقب (picclick.fr)

 

من الخيال العلمي إلى الواقعية السياسية
حين تقرأ هذه الرواية اليوم، يصعب تجاهل صداها في الخطاب السياسي المعاصر، خصوصاً حين طرحت فكرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب "شراء غرينلاند" بوصفها اقتراحاً سياسياً جدياً، لا نكتة عابرة. ما بدا في القرن التاسع عشر ضرباً من الهزل الأدبي، عاد في القرن الحادي والعشرين بلهجة واقعية، مدعومة بلغة الصفقات والاستثمار والأمن القومي. لم تعد الفكرة هي تغيير محور الأرض، بل إعادة تموضع النفوذ، واستباق التحولات الجيوسياسية في منطقة يعاد اكتشافها بوصفها مخزنا للموارد وممراً استراتيجياً.

القطب الشمالي بين السخرية الأدبية ومنطق الصفقة
تقدم رواية "رأسا على عقب" بوصفها نصا ساخراً يتخفى في هيئة مغامرة علمية، لكنه في جوهره تفكيك مبكر لعقلية سياسية اقتصادية ترى في الجغرافيا سلعة، وفي السيادة بنداً تفاوضياً. فالقطب، في عالم جول فيرن، لا يظهر كفضاء طبيعي أو كموطن بشري، بل كمساحة صامتة تقاس قيمتها بما تحتويه من موارد محتملة. هذه السخرية لا تعمل كزينة أسلوبية، بل كأداة نقد حادة تكشف كيف يمكن للغة البيع والشراء أن تتسلل إلى أكثر الأماكن بعداً عن العمران، لتعيد تعريفها بوصفها فرصة.

كيف حول جول فيرن الجغرافيا إلى سؤال أخلاقي
ينتمي جول فيرن إلى جيل آمن بالتقدم العلمي، لكنه لم يكن أعمى عن مخاطره حين يتحول إلى أداة بلا ضوابط. في هذه الرواية، لا يقدم المشروع الهندسي لتعديل ميل محور الأرض كإنجاز، بل كاختبار أخلاقي، هل يملك الإنسان الحق في إعادة تشكيل الكوكب وفق مصالحه؟ فمحاولة تعديل ميل محور الأرض في الرواية لهدف إيجاد فصل الربيع دائم على الكوكب، ليست مجرد مبالغة تخيلية، بل استعارة مكثفة لمنطق يرى أن كل ما هو ممكن تقنياً يصبح مشروعاً سياسياً. الجغرافيا هنا تتحول من خلفية محايدة إلى ساحة صراع بين الطموح والحدود، وتقارب بشكل كبير فكرة السيطرة على غرينلاند لهدف استخراج معادن الأرضية النادرة وغيرها من الثروات الطبيعية.

من مزاد روائي إلى خطاب سياسي واقعي
المزاد الذي تخيله فيرن لبيع السيادة على القطب يبدو اليوم أقرب إلى نموذج ذهني يحكم بعض السياسات في الدول الكبرى. الفارق أن المزاد لم يعد علنياً ولا ساخراً كما في الرواية، بل يدار بلغة الدبلوماسية والاتفاقات الاستراتيجية، ومغامرات عسكرية. فكرة أن الأراضي البعيدة، قليلة السكان، والغنية بالموارد، هي أراض متاحة لتملك، تعكس استمرارية منطق قديم يتخفى اليوم في ثوب براغماتي حديث. في هذا السياق، لا تبدو غرينلاند سوى تجسيد معاصر لذلك القطب المتخيل عند جول فيرن.

تغير المناخ كذريعة جديدة للسيطرة القديمة
يطرح جول فيرن في روايته تعديل المناخ كحل تقني لمعضلة الموارد، وفي عالم اليوم تناقش الهندسة المناخية بوصفها خياراً مطروحاً لمواجهة الاحترار العالمي. ورغم التفاوت بين خيال القرن التاسع عشر وأدوات القرن الحادي والعشرين، فإن البنية الذهنية واحدة، الإيمان بإمكانية معالجة نتائج الاستنزاف المستمر للموارد والبيئة عبر حلول كبرى، من دون مراجعة أسبابه. هكذا يتحول تغير المناخ، في بعض الخطابات، من أزمة إنسانية بيئية إلى فرصة مالية استراتيجية، تبرر إعادة رسم الخرائط وتكثيف السيطرة على المناطق القطبية.

حين يتحقق الخيال على هيئة سياسة
تكمن قوة رواية "رأسا على عقب" في نبرتها الساخرة التي لا تهدف إلى الإضحاك، بل إلى التحذير. فمشروع تغيير محور الأرض يفشل، لا لأن أصحابه يفتقرون إلى المعرفة، بل لأنهم يسيئون فهم حدود قدرتهم وحدود الطبيعة نفسها. من هنا، لا تبدو الرواية مجرد نص من الماضي، بل مرآة مقلقة للحاضر، تذكر بأن التقدم التقني لا يضمن دائماً تقدماً إنسانياً، وأن اختزال العالم إلى صفقة قد يقود، في النهاية، إلى ضجيج هائل بلا تغيير حقيقي.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/19/2026 1:19:00 PM
علمت "النهار " أن فرنسا ستساعد الجيش اللبناني على وضع استراتيجية يقدمها للمؤتمر، لا تشمل فقط لائحة معدات وتمويل ولكن استراتيجية لنزع السلاح في كل البلد 
المشرق-العربي 1/18/2026 10:56:00 PM
تهيئة الظروف الملائمة للمشاريع الاقتصادية والتنموية.
المشرق-العربي 1/19/2026 5:12:00 AM
اشتباكات عنيفة بين "قسد" والجيش السوري في محيط سجن الأقطان بالرقة.
المشرق-العربي 1/19/2026 12:16:00 PM
المخابرات التركية كانت على تواصل مع الولايات المتحدة والحكومة السورية قبل إبرام الاتفاق.