الديبلوماسية ضد التطرف

آراء 19-01-2026 | 08:18

الديبلوماسية ضد التطرف

لا تُقرأ خطوة تعيين مبعوث لمكافحة التطرف والإرهاب بوصفها عنواناً شخصياً أو حركة رمزية، بل حلقة مؤسسية تُستكمل بها منظومة الإمارات في هذا الملف، منظومة تُوزّع الأدوار بوضوح بين الداخل والخارج.
الديبلوماسية ضد التطرف
وزارة الخارجية الاماراتية
Smaller Bigger

ليست فكرة تعيين مبعوث لمكافحة التطرف والإرهاب إجراءً بروتوكولياً بقدر ما هي ترجمة لمدرسة سياسية إماراتية ترى الأمن مفهوماً مركّباً، قوةٌ تحمي، وفكراً يقي، وديبلوماسية تجمع الشركاء على هدفٍ واحد، ومن هنا يمكن فهم الخطوة التي أُعلنت في 8 كانون الثاني/ يناير 2026 بتكليف مبعوث لوزير الخارجية هذا الملف، إشارة عملية إلى أن معركة اليوم لم تعد تُدار في الجبهات فحسب، بل في العقول والمنصات والتمويل والخطاب العام. 

لا تُقرأ خطوة تعيين مبعوث لمكافحة التطرف والإرهاب بوصفها عنواناً شخصياً أو حركة رمزية، بل حلقة مؤسسية تُستكمل بها منظومة الإمارات في هذا الملف، منظومة تُوزّع الأدوار بوضوح بين الداخل والخارج، حيث في الداخل تتولى الأجهزة والهيئات المختصة تنفيذ الوقاية والحماية وتجفيف الموارد وفق القانون، بينما يأتي دور المبعوث من بوابة وزارة الخارجية ليؤدي وظيفة مختلفة لكنها مكملة، وهي ترجمة هذا النهج إلى عمل دولي منظم عبر بناء الشراكات وتوحيد الرسائل ومتابعة الالتزامات والقرارات الدولية، وفتح قنوات تعاون تمنع ثغرات التمويل والتحريض من أن تتحول إلى "مساحات رمادية" بين الدول. 


أول الأسباب في تقديري والتي جعلت دولة الإمارات تقوم بهذه الخطوة المهمة أن التطرف تغيّر شكلاً ومضموناً، إذ لم يعد تنظيماً يرفع راية واضحة فحسب، بل صار "منظومة عدوى" تنتقل عبر سرديات الكراهية والتلاعب بالهوية واستثمار المظلومية، وتعمل على تفكيك الدولة الوطنية من الداخل. لذلك، فإن الاقتصار على الحل الأمني مع ضرورته لا يكفي وحده .

 الدول التي تعالج النتائج وتترك الجذور، تشبه من يطفئ اللهب ويترك تسرب الغاز، التعيين هنا يعبّر عن إدراك أن الوقاية الفكرية والتربوية، وتحصين الخطاب الديني، وتجفيف قنوات الدعاية، مسارات لا تقل أهمية عن المواجهة الميدانية.
السبب الثاني أن التطرف عابر للحدود بطبيعته، من يمول اليوم قد يكون في قارة أخرى، ومن يحرّض قد يعمل من خلف حساب مجهول، ومن يجند قد يستهدف شباباً لا يعرفون شيئاً عن الجغرافيا السياسية، لذلك يصبح تنسيق الجهد الدولي وظيفة سيادية بامتياز، بناء شراكات، مشاركة خبرات، حضور مؤتمرات، وتفعيل القرارات الدولية ذات الصلة، خصوصاً ما يتصل بقرارات مجلس الأمن في مكافحة الإرهاب، وجود مبعوث متخصص يعني "تخصيصُ عقل ديبلوماسي محترف" لهذا الملف، بدل أن يظل موزعاً بين ملفات عديدة.


السبب الثالث يرتبط بالمنهج الإماراتي في "تجفيف المنابع"؛ أي قطع الصلة بين التطرف ومصادر قوته الناعمة والصلبة: المال، والخطاب، والمنابر. ولهذا لم تكتف الإمارات بالشعارات، بل دفعت تشريعياً وتنظيمياً في ملفات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، عبر تعديلات وتحديثات قانونية في عام 2024، بما ينسجم مع حماية النظام المالي الوطني ويشدّد أدوات الرقابة على التمويل غير المشروع .


السبب الرابع أن الإمارات راكمت بنية مؤسساتية تجعلها قادرة على تحويل الخبرة إلى "قوة معيارية" عالمية ، فهناك مراكز ومبادرات سبقت موجة الاهتمام الدولي الحالية: "مركز هداية" الذي افتُتح في أبوظبي في كانون الأول/ديسمبر 2012 بوصفه منصة دولية للتميز في مواجهة التطرف العنيف، و"مركز صواب" الذي أُطلق بالشراكة مع الولايات المتحدة في تموز/ يوليو 2015 لمواجهة الدعاية المتطرفة في الفضاء الرقمي، هذه المؤسسات ليست ديكوراً، بل أدوات عمل: تدريب، أبحاث، اتصالات استراتيجية، وبناء قدرات للمجتمعات والحكومات. تعيين مبعوث يربط هذه الخبرات بخط ديبلوماسي مباشر، ويمنحها تمثيلاً أكثر فعالية في المحافل الدولية. 


والسبب الخامس، وهو الأهم سياسياً، أن العالم يمرّ بمرحلة تتكاثر فيها موجات الاستقطاب وخطاب الكراهية، وتُستغل فيها الرموز الدينية أو القومية لتبرير العنف،  في مثل هذه البيئة، تحتاج الدول المسؤولة إلى نقل النقاش من "سياسة ردّ الفعل" إلى "سياسة منع الخطر". والمبعوث هنا رسالة مفادها: الإمارات لا تنتظر أن يتحول التطرف إلى أزمة ثم تفاوض على تكلفتها، بل تتعامل معه كتهديد استباقي للأمن الإقليمي والاقتصاد والتنمية والتعايش.


في التراث العربي معنى بليغ يقول : درهم وقاية خير من قنطار علاج.
هذا بالضبط جوهر الخطوة، فالدولة التي تستثمر في الوقاية الفكرية، وتضبط التمويل، وتبني الشراكات، وتؤسس منصات دولية للحوار، إنما تحمي مجتمعها أولاً، ثم تساهم بواقعية في أمن محيطها.
وخلاصة الحكم: تعيين مبعوث لمكافحة التطرف والإرهاب ليس "سبقاً إعلامياً"، بل تثبيت لمعادلة إماراتية واضحة ،الأمن لا يُشترى بالعنف وحده، بل يُصنع بالحكمة، وبناء المؤسسات، وتوحيد الجهود الدولية ضد عدوٍ لا يعترف بحدود.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/17/2026 1:09:00 PM
المرسوم لم يصدر في إطار دستوري كامل لأن العملية الدستورية “ليست بيد الرئيس وحده”
العالم العربي 1/17/2026 2:34:00 PM
معركة كانت قابلة للتوسع، ثم توقفت فجأة لينتقل مسارها من الميدان إلى السياسة
شمال إفريقيا 1/17/2026 12:33:00 PM
في منشور له على منصة "إكس"، قال السيسي اليوم السبت إنه وجه خطاباً لترامب للتأكيد على موقف مصر ومخاوفها بشأن أمنها المائي بسبب مشروع سد النهضة الإثيوبي.