لكي تبلغ الدعوة إلى السلام غايتها

آراء 16-01-2026 | 13:45

لكي تبلغ الدعوة إلى السلام غايتها

السلام الذي عاشه البابا لاوون الرابع عشر في لبنان دعوة إلى جميع المسؤولين السياسيّين والدينيّين والجماعات والمواطنين
لكي تبلغ الدعوة إلى السلام غايتها
البابا لاوون الرابع عشر. (أ ف ب)
Smaller Bigger

الأب صلاح أبوجوده اليسوعيّ، أستاذ في جامعة القديس يوسف


"ليس السلام حالة طبيعية، بل ينبغي تأسيسه" (إيمانويل كانط).

 

قبل أن يكون السلام موضوع نداء أو خطّة عمل أو مشروعًا سياسيًّا، هو طريقة حضور في وسط العالم تتجلّى في البُعد العلائقيّ انفتاحًا غير مشروط على الآخر، وتضامنًا تلقائيًّا معه، وإصغاءً إليه، وتفهّمًا لحاجاته وأمنياته من دون أحكام مسبقة، واعترافًا بكرامته الإنسانيّة.

 

وممّا لا شكّ فيه أنّ خصائص السلام هذه طبعت بشدّة زيارة البابا لاوون الرابع عشر لبنان. فلقد خلق "بابا السلام"، بفضل حضوره، فسحة تلاقٍ إنسانيّ بعيدًا عن الحسابات الفئويّة المحليّة الضيّقة، وأجواء الصراعات الإقليميّة، مُبيّنًا أنّ السلام قبل كلّ شيء حالة ظاهراتيّة، من دون أن يُلغي ذلك التطلّع إلى تحقيقه من خلال مشاريع سياسيّة، بل يمكن تلك المشاريع أن تلاقي نتائجها المرجوّة بقدر تأصّلها في هذا السلام الأساسيّ الذي يربط الإنسان بنفسه وبالآخرين.

 

وبكلام آخر، يسمح السلام بصفته خبرة معاشة بالانفتاح على عالم لا يمثّل الآخر فيه تهديدًا، بل شريكًا في مشروع بناء حياة أفضل. فهذا هو حجر الزاوية الذي تقوم عليه تجسيدات السلام المؤسّساتيّة اللاحقة.

 

 

والثابت أنّ السلام بصفته حضورًا إنسانيًّا بلا حدود ولا شروط، يستند إلى خلفيّة روحيّة صلبة تمثّل مصدر إلهام دائم لترجمته في واقع الحياة. وبهذا المعنى، فإنّ السلام الذي عاشه البابا لاوون الرابع عشر في لبنان دعوة إلى جميع المسؤولين السياسيّين والدينيّين والجماعات والمواطنين، لا إلى التعمّق في اختبار السلام حالةً إنسانيّة تتأصّل في الخبرة الروحيّة فحسب، بل إلى تحويل تلك الحالة إلى ممارسات واقعيّة في مختلف حقول المجتمع. 

 

وفي هذا السياق ينقل خطاب البابا السلامَ من حالة مُعاشة شخصيًّا إلى مستوى المسؤوليّة العامّة، فيربطه بالعمل السياسيّ بصفته خدمةً لها غاية محدّدة، يتطلّب الاضطلاع بها الخضوع لمتطلّبات أخلاقيّة أساسيّة تلتقي وخصائص السلام، شأن احترام الكرامة الإنسانيّة والعدالة والمساواة وحريّة الضمير والتعبير وحسّ المسؤوليّة، إضافة، بالطبع، إلى الكفاءة والأخلاق المهنيّة.

 

لذا، لا يكتسبُ العملُ السياسيّ شرعيّةً إلّا إذا احترم المبادئ الأخلاقيّة الأساسيّة، وأضفى على العمل الجماعيّ معنًى ساميًا يُلخّص في الخير العامّ. وتبرز في هذا الموضع أهميّةُ إثارة موضوع تحقيق المصالحة، لا كدعوة إلى نسيان الماضي، بل نتيجة عمل العدالة والذاكرة بطريقة سليمة بغية التوصّل إلى شفاء الجراح فعليًّا ونزع فتيل الأحقاد.

 

وهكذا، يدعو البابا إلى تهيئة الظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة لحياة كريمة، رافضًا منطق السلاح ومقدّمًا منطق الحوار بديلاً عنه. إذ لا يمكن السلام أن يكون نتيجة إكراه، بل نتيجة حوار ووساطة صادقة ولقاء مسؤول، جملة أمور تُترجِم السياسةَ بصفتها خدمة للإنسان وسعيًا دائمًا لتأصيل أسس العيش معًا.

 

ومن هذا المنظور، يبقى الخير العامّ حجر الزاوية في خطاب البابا، وهو خير لا يُختزل في مجموع المصالح الخاصّة، بل يمثّل الأفق الذي يتصالح فيه السلام والعدالة والذاكرة والمسؤوليّة. كما أنّه يعبر عن رؤية علائقية للإنسان، مفادها أنّ الفرد لا يحقّق ذاته إلاّ مع الآخرين ومن أجلهم، ضمن مؤسّسات عادلة تضمن له حريّاته وحقوقه الأساسيّة.

 

ومن خلال وضع الخير العامّ في صلب الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة، يدعو البابا إلى تجاوز منطق السعي إلى الهيمنة أو خدمة المصالح الفئوية أو تحقيق الربح السريع، لتصبح الجماعة السياسيّة، في آنٍ واحدٍ، فسحة لكرامة الفرد والكرامة المشتركة.

 

وهكذا، يتجلّى الخير العامّ مبدأً موجّهًا للالتزام في الحقل العامّ، ومعيارًا أخلاقيًّا لاتّخاذ القرارات، وغاية للسلام الذي لا يُفهم على أنه مجرد غياب النزاعات أو توازن قوى أو مصالح، بل بنيان تدريجيّ لمجتمع يحضن الجميع ويسمح للأفراد بتحقيق أنفسهم.

 

وتجدر الإشارة إلى أنّ محوريّة الخير العامّ في هذا السياق لا تنبع من حدس على صلة بالواقع اللبنانيّ، ولا مجرّد توجيه ظرفيّ، بل هي في صميم تعاليم الكنيسة الاجتماعيّة التي يُفترض بالمؤمنين وأصحاب الإرادة الطّيبة العمل على تحقيقها في الأطر الخاصّة.

 

ولا يزال الإرشاد الرسوليّ "رجاء جديد للبنان" مرجعًا لهذا الموضوع في الإطار اللبنانيّ. ومن الضروريّ التوقّف على ما يكوّن ديناميّة الخير العامّ أو التحوّل الذي يدعو إليه هذا الإرشاد. فإنّ هذه الوثيقة تقيم توازنًا بين ما يبدو في الظاهر تناقضًا أو تعارضًا: فمن جهة، نجد التذكير بمركزيّة اعتبار الإنسان شخصًا يتمتّع بكرامة أصيلة، وبحريّة الضمير والحريّة الدينيّة في صلب الخير العامّ، بقدر ما أنّ هذا الخير، كما سبق القول، يتحقّق بصورة كاملة من خلال خير الجميع، لأنّ خير الفرد لا ينفصل عن خير المجتمع كلّه؛ ومن جهة ثانية، ثمّة تشديد على ما يميّز لبنان ألا وهو تعايش طوائف مختلفة.

 

لذا، تدعو الوثيقة البابويّة تكرارًا إلى أهميّة الحفاظ على العيش معًا وتعزيزه من خلال اللقاء والحوار والتعاون بين المسيحيّين والمسلمين. غير أنّ هذا البُعد الثاني يتعارض مع البُعد الأوّل، إذ إنّ الخير العامّ يفترض الاعتراف بالإنسان بصفته فردًا يتمتّع بحقوق لا تُمسّ، وقادر على ممارستها بحريّة، ويعمل على بناء مجتمعه من خلال مشاركته مع الآخرين في وضع قواعده وقوانينه، وهذا أمر لا تسمح التركيبة الطائفيّة ببلوغه. فإنّ الطائفيّة لا تسمح أصلاً بولادة "المواطن" تبعًا للمفهوم المعاصر، ولا تضمن حقوق الإنسان الأساسيّة. بل إنّ تداخل الدينيّ بالمدنيّ يُنتج بنية اجتماعيّة تُخضع الفرد لهويّته الطائفيّة.

 

لذا، فإنّ تحقيق الخير العام، كما يدعو إليه الإرشاد الرسولي، يقتضي الانتقال من الطائفيّة إلى المواطنة. وهذا الانتقال يعني التحوّل من عقلية جماعيّة مغلقة إلى عقليّة فرديّة تعترف بكلّ إنسان بوصفه صاحب حقوق كاملة، وقادرًا على المشاركة الحرّة في بناء المجتمع وصياغة قوانينه. 

 

وفي الواقع، فإنّ ديناميّة الإرشاد الرسوليّ تذهب في هذا الاتّجاه من خلال اقتراح مسار تحوّل إيجابيّ وإن بطيء. فإنّ التعارض الظاهريّ المذكور أعلاه لا يتمّ تجاوزه عن طريق قطيعة عنيفة أو إنكار الهويّات الطائفيّة، بل بفضل عمليّة تحوّلٍ مسؤول وسلميّ. فليس ثمّة عرض لنموذج مؤسسيّ جاهز في الوثيقة البابويّة، بل اقتراح مسار جماعيّ يقوم على الحوار المسؤول، والبحث عن المصالح المشتركة، والتربية على الحريّة والكرامة الإنسانيّة والعدالة الاجتماعيّة.

 

وهكذا تتحدد ملامح الانتقال من جماعات متجاورة إلى جماعات تتقاسم المسؤوليّة في البناء الوطنيّ، وقادرة على ضمان المواطنة والمساهمة في قيام دولة منظمة في خدمة الإنسان، لا مجرد دولة يقتصر دورها على إدارة توازنات طائفيّة. وخلاصة القول إنّ الإرشاد الرسوليّ لا يقدّم نقدًا مباشرًا للنظام الطائفيّ بقدر ما يقترح ديناميّة داخليّة تسمح بتجاوزه تدريجيًّا.

 

وفي هذا المسار القائم على الحوار والتربية والمسؤوليّة المشتركة، تجد دعوة السلام تحقيقها الفعليّ، السلام الملازم الخير العامّ. "ليس السلام مجرّد غياب الحرب، بل هو عمل من أعمال العدالة يتطلب احترام حقوق الإنسان والسعي لتحقيق الخير العامّ" (جاك ماريتان).

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ايران 1/15/2026 4:26:00 AM
جاء في رسالة رضا بهلوي: "تتطابق صورة إيران في أذهانكم مع الإرهاب والتطرف والفقر. لكن إيران الحقيقية مختلفة. لذا، دعوني أوضح كيف ستتصرف إيران الحرة تجاه جيرانها والعالم بعد سقوط هذا النظام".
ايران 1/15/2026 9:20:00 PM
مزاعم عن اعتقال روحاني وظريف في طهران
"ثمّة خطر كبير بأن يصبح المتقدّمون من هذه الدول عبئاً عاماً وأن يعتمدوا على موارد الحكومة المحلية وحكومات الولايات والحكومة الاتحادية في الولايات المتحدة"
سياسة 1/15/2026 6:13:00 PM
القضاء اللبناني يدعي على أربعة أشخاص بتهمة "التواصل" مع الموساد