الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تغيّر سلوكها: البقاء أو السقوط
إليسا الهاشم *
لم يكن قرار إدارة الرئيس الأميركي جيمي كارتر عام 1979 مجرّد خطأ سياسي عابر، بل لحظة مفصلية غيّرت مسار ومصير إيران والمنطقة، لعقود طويلة. فحين فُتح الباب أمام عودة روح الله الخميني إلى طهران، لم يكن الغرب يسلّم السلطة لرجل دين مسالم معارض، بل يسلّم دولة محورية كاملة لمشروع أيديولوجي مغلق، لا يؤمن بالدولة الحديثة، ولا بالمجتمع التعددي، ولا بفكرة الاندماج في العالم.
ذلك القرار لم يُسقط الشاه فقط، بل أطلق ثورة من نوع خاص، ثورة لا تنتهي عند حدود إيران الجغرافية، ولا تكتفي بالسيطرة على الداخل، بل تُعرّف نفسها عبر التصدير والتوسع، والاختراق، وتفكيك الدول من حولها. منذ اللحظة الأولى، لم تتصرّف الجمهورية الإسلامية كنظام قابل للتكيّف، بل كحركة عقائدية ترى في الاستقرار تهديداً، وفي الدولة الوطنية عائقاً، وفي الإصلاح خطراً وجودياً.
لم يكن الخميني "غاندي إيران"، كما صُوِّر في حينه. كان رجل سلطة يعرف تماماً ما يريد، نظاماً شمولياً يتلطّى بالدين، ويصادره في آن، ويعيد هندسة المذهب الشيعي ليخدم مشروعاً سياسياً توسعياً. لم يكن هذا انحرافاً لاحقاً، بل جوهر الفكرة منذ اليوم الأول.
على مدى ما يقارب خمسة عقود، أعادت الجمهورية الإسلامية تصنيع الدين وتحويله من منظومة قيم روحية إلى أداة حكم. وكما فعلت حركات "الإخوان المسلمين" في تجارب أخرى، جرى توظيف العقيدة لتكريس الطاعة، وتجريم الاختلاف، وتبرير القمع. أُعيد تعريف "الولاية" لتصبح ولاية النظام، لا ولاية القيم، وأُفرغت السياسة من بعدها الوطني لصالح مشروع تدميري عابر للحدود.
هذا المشروع لم يبقَ داخل إيران، بل تحوّل إلى بنية إقليمية متكاملة يقودها الحرس الثوري الإيراني. في لبنان، أنشأ "حزب الله" كدولة عميقة موازية، يشكّل خط الدفاع الأمامي للنظام على الحدود مع إسرائيل، ويحوّل البلاد إلى منصة صواريخ، ضمن شبكة نفوذ تمتد من طهران الى حدود الولايات المتحدة الجنوبية.
في سوريا، نُفّذت مجازر جماعية ببراميل متفجّرة وغازات سامة، بإشراف ودعم إيراني مباشر، لتثبيت سلطة ساقطة قتلت وهجرت شعبها.
في العراق، وُضعت الدولة تحت السيطرة عبر ميليشيات مرتبطة بطهران، صادرت القرار السيادي، واخترقت المؤسسات، وحوّلت البلد إلى ساحة نفوذ مفتوحة.
في اليمن، لم تكن الحرب صراعاً داخلياً، بل مشروعاً حوثياً مدعوماً إيرانياً دمّر الدولة، وهدّد الملاحة الدولية، وحوّل اليمن إلى ورقة ابتزاز إقليمي.
وفي غزة، استُخدمت حركة "حماس" كأداة صدام، توّجت ارتكاباتها بهجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، الذي فتح حرباً مدمّرة أدّت إلى مقتل وتشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين.
بهذه الأدوات، لم يُبنَ "هلال" سياسي، بل محور فوضى منظّم، تُدار ساحاته من طهران، وتُخاض حروبه بالنيابة عنها.
ولضمان بقاء هذا المشروع، لجأ النظام إلى كل ما يتناقض مع القيم التي يدّعي الدفاع عنها: قمع ممنهج، إعدامات، اقتصاد ظلّ، شبكات تهريب مخدرات، تبييض أموال، وأنماط جريمة منظّمة. لم يُفقَر الشعب الإيراني بفعل العقوبات وحدها، فالنظام اختار تجويع الداخل لتمويل الخارج. موارد الدولة صُرفت على الصواريخ والميليشيات وعلى الحروب بالوكالة، لا على مستقبل الإيرانيين.
في موازاة ذلك، نجح النظام في ترسيخ أخطر أسلحته غير العسكرية، الخوف. لم يكتفِ بترهيب شعبه، بل زرع في وعي المنطقة والعالم وهماً استراتيجياً مفاده أن سقوطه سيعني انهياراً شاملاً وفوضى لا يمكن احتواؤها. هذا الوهم حمى النظام أكثر مما حماه أي اتفاق أو سلاح، وقيّد القرار الدولي لسنوات طويلة.
اليوم، يستجدي النظام التفاوض على وقع تمدد الثورة وغليان الداخل. تحاول طهران مجدداً استخدام الأسلوب نفسه. تناور وتعرض التفاوض كخشبة خلاص، فيما يدفع الإيرانيون ثمن ذلك دماً في الشوارع. كل يوم، تُزهَق أرواح مئات الإيرانيين، يُقتلون بدم بارد على يد الباسيج والحرس الثوري، يُطلق عليهم الرصاص في الرأس. نظام يفاوض في الخارج، ويشنّ حرباً مفتوحة على شعبه في الداخل، هذا ليس تناقضاً، بل عقيدة حكم.
هل سينجح النظام مرة أخرى في خداع واشنطن. هل سينجح علي خامنئي حيث نجح الخميني؟ هل سيقنع الرئيس دونالد ترامب بأن هذا النظام العقائدي سيتخلى طوعاً عمّا بناه خلال نحو خمسين عاماً؟ هل سيغيّر سلوكه وسيتنازل عن أدوات القمع، وشبكات النفوذ، وعقيدة الصدام؟ وهل سيتخلى فعلاً عن ترسانته النووية والصاروخية، التي تشكّل جوهر مشروعه الردعي ورافعة ابتزازه الإقليمي؟
يصعب تصديق ذلك. فالتفاوض، في قاموس هذا النظام، ليس مسار تغيير، بل مناورة محسوبة. ليس مدخلاً للإصلاح، بل وسيلة لشراء الوقت. تهدئة في الخارج، وتصعيد في الداخل، ثم عودة إلى السلوك نفسه.
كما غيّر قرار الرئيس كارتر قبل أكثر من أربعة عقود مسار حياة ملايين الإيرانيين، ومسار الشرق الأوسط بأسره، يقف العالم اليوم أمام لحظة لا تقل خطورة. حياة ملايين الإيرانيين مرة أخرى رهينة قرار الرئيس ترامب. الفارق أن التجربة هذه المرة مكتملة، والدرس واضح. الجمهورية الإسلامية لا تتغيّر. إما تبقى أو تسقط. والسؤال لم يعد إن كان ذلك سيحدث، بل كم من الوقت سيُسمح لها بأن تدمّر البلاد والعباد قبل أن يُتَّخذ القرار.
* كاتبة وباحثة في الشؤون الدولية
نبض