واشنطن لن تفاوض طهران… بل ستعيد هندستها

آراء 14-01-2026 | 13:54

واشنطن لن تفاوض طهران… بل ستعيد هندستها

ما تواجهه إيران اليوم ليس ضغطاً أميركياً عابراً، ولا جولة تفاوض قاسية، بل لحظة انكشاف تاريخي لنظام بنى بقاءه على منطق المواجهة الدائمة من دون أن يبني دولة قابلة للحياة. 
واشنطن لن تفاوض طهران… بل ستعيد هندستها
علما إيران وأميركا
Smaller Bigger

الخطأ المفاهيمي الأكبر في توصيف ما سيجري بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران هو استخدام مصطلح "المفاوضات". فالمفاوضات، في معناها السياسي والقانوني، تفترض توازناً نسبياً بين طرفين يمتلكان مطالب، وأوراق ضغط، وقدرة متبادلة على القبول أو الرفض. أما ما يُطرح اليوم على إيران، فلا يرقى إلى هذا المستوى، بل يقترب من إملاءات شاملة تُقدَّم تحت ضغط عسكري واقتصادي وأمني متراكم.

فبعد أربعة عقود من بناء خطاب أيديولوجي يقوم على "الصمود" و"الاستقلال" و"توازن الردع"، يجد النظام نفسه اليوم أمام اختبار وجودي، ليس بسبب قوة خصومه فقط، بل بسبب هشاشته الداخلية المتراكمة.

ما تطلبه واشنطن اليوم واضح: التخلي الكامل عن المشروع النووي ووقف تخصيب اليورانيوم، إنهاء تطوير البرنامج الصاروخي البالستي المتوسط، وقف تصنيع المسيّرات، قطع العلاقة مع الأذرع الإقليمية، والانفتاح الاقتصادي وفق شروط تجعل الولايات المتحدة الشريك الأكثر نفوذًا في السوق الإيرانية. هذه ليست مطالب تفاوضية قابلة للأخذ والرد، بل تفكيك منظّم لأدوات القوة التي قام عليها النظام.

لكن السؤال الأهم ليس: لماذا ترفع الولايات المتحدة السقف ولم تتنازل عن اي مطلب منذ وصول الرئيس ترامب الى الحكم؟ بل: كيف وصل النظام الإيراني إلى لحظة يُطرح فيها هذا السقف أصلًا؟

منذ نتائج حرب 7 اكتوبر وحرب "الـ12 يوماً"، وما رافقها من ضربات مباشرة وغير مباشرة، دخل النظام مرحلة جديدة من الانكشاف. لم تُسقطه الحرب، لكنها كشفت حدود قوته، وبيّنت أن قدرته على الردع لم تعد مطلقة، وأن منظومة الأمن الإقليمي التي بناها باتت عبئاً أكثر منها ضمانة. هذه الحرب لم تكن هزيمة عسكرية، لكنها كانت هزيمة رمزية، لأن الدولة التي ترفع شعار "السيادة المطلقة" وجدت نفسها أمام اختراقات موجعة.

ثم جاءت المظاهرات الأخيرة لتُكمل المشهد. الاحتجاجات لم تكن مجرد انفجار غضب اقتصادي، بل تعبيراً عن انفصال عميق بين النظام ومجتمعه. القمع الدموي، والاعتقالات الواسعة، وقطع الاتصالات، لم تُظهر قوة الدولة، بل عجزها عن إنتاج شرعية غير أمنية. فالدولة التي لا تمتلك سوى العصا لإدارة مجتمعها، تكون قد فقدت قدرتها على المناورة السياسية.

هنا تتضح المفارقة: النظام الذي استثمر لعقود في تصدير أزماته إلى الخارج، يجد نفسه اليوم عاجزاً عن إدارة أزمته في الداخل. والنظام الذي بنى شرعيته على "المواجهة مع الإمبريالية"، يُدفع اليوم إلى طاولة يُعرض عليه فيها خياران أحلاهما سُم: إما القبول بشروط تعني فقدان جوهره الأيديولوجي، أو الرفض والمخاطرة بانهيار تدريجي وصولا للسقوط.

المشكلة الأساسية أن النظام الإيراني لم يُبنَ كدولة مؤسسات مرنة، بل كمنظومة عقائدية–أمنية. قوته لم تكن يومًا في الاقتصاد أو التنمية، بل في معادلة ردع مركّبة: سلاح، نفوذ إقليمي، واستقلال نسبي عن المنظومة الغربية. جمعُ هذه الملفات اليوم في سلّة واحدة يعني تفريغ النظام من أسباب بقائه، لا تعديل سلوكه.

ومع ذلك، يتحمّل النظام مسؤولية كبرى في ما وصل إليه. فالإصرار على خطاب تعبوي جامد، ورفض أي إصلاح سياسي حقيقي، وتحويل المجتمع إلى ساحة ضبط أمني دائم، جعل الدولة عاجزة عن امتصاص الصدمات. وعندما تتآكل الجبهة الداخلية، تصبح كل الضغوط الخارجية مضاعفة الأثر.

في النهاية، ما تواجهه إيران اليوم ليس ضغطاً أميركياً عابراً، ولا جولة تفاوض قاسية، بل لحظة انكشاف تاريخي لنظام بنى بقاءه على منطق المواجهة الدائمة من دون أن يبني دولة قابلة للحياة. فالسلطة التي تُفرغ السياسة من معناها، وتختزل الشرعية في الأمن، وتراكم الأزمات بدل حلّها، تصل حتمًا إلى يوم تُخيَّر فيه بين الركوع أو السقوط.

الخطير في اللحظة الراهنة أن النظام الإيراني لم يعد يملك ترف الوقت ولا ترف المناورة. كل خطوة إلى الأمام تكشف هشاشة الداخل، وكل تراجع يفضح فقدان الثقة. وفي عالم لا يحترم إلا موازين القوة الواقعية، لم تعد الشعارات قادرة على حماية دولة، ولا العقائد كافية لتعويض الانهيار الاجتماعي والاقتصادي.

ليست المشكلة أن واشنطن ترفع سقف شروطها، بل أن النظام الإيراني أوصل نفسه إلى لحظة يُفرض فيها هذا السقف بلا مقاومة حقيقية. فحين تفقد الدولة مجتمعها، تصبح كل مفاوضات وهمًا، وكل صمود خطابًا فارغاً. وما لم يدرك النظام أن الخطر الحقيقي لم يعد خارجياً بل داخلياً، فإن النهاية لن تُكتب في اتفاق دولي… بل في الشارع.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/17/2026 1:09:00 PM
المرسوم لم يصدر في إطار دستوري كامل لأن العملية الدستورية “ليست بيد الرئيس وحده”
العالم العربي 1/17/2026 2:34:00 PM
معركة كانت قابلة للتوسع، ثم توقفت فجأة لينتقل مسارها من الميدان إلى السياسة
شمال إفريقيا 1/17/2026 12:33:00 PM
في منشور له على منصة "إكس"، قال السيسي اليوم السبت إنه وجه خطاباً لترامب للتأكيد على موقف مصر ومخاوفها بشأن أمنها المائي بسبب مشروع سد النهضة الإثيوبي.