لبنان في مفترق المصير: الدولة، الجوار، وإعادة التموضع الإقليمي
نزيه الخياط*
1. المنظر اللبناني: طبقات الانكسار والهشاشة
لبنان اليوم يمثل لوحة معقدة متعددة الطبقات من الأزمات: انهيار اقتصادي، أزمات سياسية مستمرة، بنى تحتية مهترئة، وتدهور بيئي ملحوظ. هذه المشاهد لا تعكس فقط الخراب المادي، بل تاريخ الانقطاعات المتكررة منذ الحرب الأهلية، ما جعل المنظر اللبناني بمثابة سجل حي للتحديات البنيوية التي تعيق إعادة النهوض.
المناطق الحضرية المنهارة، الأراضي المهجورة، وتلوث التربة، كلها تشير إلى فشل الدولة في إدارة الفعل العام بشكل مستدام. هذه المشاهد تكشف عن فجوة عميقة بين الوعود السياسية والقدرة التنفيذية، وتضع لبنان في موقع خارج السيطرة الكاملة على مصيره الوطني.
2. المجتمع اللبناني كفاعل بقاء
رغم هذه الانكسارات، يشكل المجتمع اللبناني مساحة للصمود اليومي. الحدائق غير الرسمية، إعادة تدوير المواد، المبادرات المدنية، والممارسات اليومية للبقاء، كلها تشير إلى قدرة على التكيف بعيدة عن الأطر المؤسساتية.
كما يظهر من هذه الممارسات كيف يقوم المجتمع بملء الفراغ المؤسسي، ابتداء من تنظيم الأسواق البديلة، مرورًا بإعادة تدوير الموارد، وانتهاءً بمبادرات تعليمية وصحية غير رسمية. كل ذلك يوضح أن القدرة على الصمود أصبحت وظيفة يومية، لكنها إدارة للأزمات لا لإنتاج حلول سياسية، وهو ما يعكس هشاشة الدولة واستمرارها في وضعية “اللا–دولة”.
3. سوريا: الجوار وتأثيراته العميقة
العلاقة مع سوريا تظل محوراً رئيسياً لفهم هشاشة الدولة اللبنانية. بعد الانسحاب السوري العسكري، ظل لبنان يعيش توازناً هشاً بين القطيعة والتأثير السوري. الحرب السورية أفرزت أعباء كبيرة: نزوح أكثر من مليون ونصف لاجئ، ضغط اقتصادي على الخدمات، وتداخل أمني مع الواقع اللبناني.
وتجتمع هذه الأبعاد مع الواقع الفلسطيني لتشكيل مشهد مركب من التحديات الداخلية والإقليمية. هذا الوضع يجعل لبنان مستعراً للضغوط الإقليمية، ويبرز فشل الدولة في فرض إدارة سياسية واضحة، ما انعكس على استمرار انهيار البنى التحتية وتفاقم الخسائر الاجتماعية.
4. فلسطين: الالتزام الرسمي مقابل الواقع العملي
القضية الفلسطينية تحتل حضوراً شعاراتياً في الخطاب اللبناني، لكنها لم تتحول إلى سياسة دولة واضحة. المخيمات الفلسطينية تكشف عن هشاشة التخطيط المؤسسي، وتبرز فشل الدولة في تحويل الالتزام الوطني إلى أدوات عملية لحماية المجتمع.
توزيع الأدوار بين الدولة والمجتمع المدني والفصائل أدى إلى ضعف القدرة على إدارة الموارد والخدمات الأساسية، ما يجعل لبنان عرضة لتأثيرات إقليمية ويضعف موقعه الاستراتيجي.
5. الخليج: العلاقة الاقتصادية وانعكاس هشاشة الدولة اللبنانية
الخليج كان شرياناً اقتصادياً للبنان: تحويلات مالية، استثمارات مباشرة، وفرص عمل لملايين اللبنانيين. ومع ذلك، الهشاشة المؤسسية في لبنان وانقساماتها الداخلية أدت تدريجياً إلى تآكل هذه العلاقة، وتحول لبنان إلى ساحة صراعات إقليمية متداخلة.
القطيعة الخليجية تعكس عجز الدولة اللبنانية عن تحديد موقعها في النظام العربي، ما أدى إلى انهيار مالي، هجرة الكفاءات، وتراجع مقومات الاستقرار الاجتماعي. لبنان فقد دوره في الدورة الاقتصادية والسياسية العربية، ما زاد من هشاشته وأضعف قدرته على الفعل الاستراتيجي.
6. إسرائيل: الجنوب، الغاز، والحدود البحرية
ملف إسرائيل يتقاطع فيه الجنوب اللبناني مع الثروة الغازية والحدود البحرية. تجربة ترسيم الحدود البحرية أظهرت قدرة لبنان على إدارة النزاع ضمن تفاوض غير مباشر، لكنها لم تتحول إلى سياسة شاملة تحمي السيادة.
هذا الملف يشير إلى ضرورة استراتيجية وطنية متكاملة تجمع بين القوة الاقتصادية والسياسية، وإلا ستظل الثروة الغازية مصدر توترات مستمرة بدلاً من أن تكون أداة تنمية واستقرار.
7. المنظر اللبناني كمشترك هش
المنظر اللبناني يعكس هشاشة الدولة داخلياً وإقليمياً. بينما يتجه النظام العربي الرسمي إلى مقاربات واقعية لإدارة النزاع مع إسرائيل، يبقى لبنان خارج إطار القرار المنظم: لا دولة مواجهة مكتملة، ولا دولة حياد فعلي، ولا دولة مشاركة في التوازنات الإقليمية.
المشهد اليوم يعكس تقاطعات الأزمات الداخلية مع الضغط الإقليمي، ويبرز الحاجة إلى سياسات وطنية قادرة على حماية الأرض والمجتمع في الوقت نفسه.
خاتمة: الموقف الوطني
استمرار لبنان في هذا الدوران بين رمادية السياسات الإقليمية والداخلية ليس خياراً مستداماً. الدولة التي لا تحدد موقعها العربي، ولا تعيد صوغ علاقتها بسوريا وفلسطين والخليج، ولا تدير نزاعها مع إسرائيل كملف وطني مضبوط، ستظل دولة مُدارة بالأزمات لا دولة مُنتِجة للحلول.
المطلوب اليوم إعادة تأسيس دولة تعرف موقعها، دورها، وأدوات حمايتها داخل الفضاء العربي، وإلا سيبقى لبنان منظراً لانعكاسات صراعات الآخرين لا فاعلاً في صوغ التوازنات الإقليمية.
*أكاديمي وباحث في الشؤون الجيوسياسية
نبض