الذهب والإرهاب.. كيف يموّل المعدن الثمين الحرب في السّاحل؟
قطعة ذهب صغيرة لامعة قد تغير حياة عامل منجم فقير، لكن في منطقة الساحل الأفريقي تحول الذهب عملة للموت، ووقوداً للإرهاب، وصار لعنة تجعل أرضاً غنية بالموارد جحيماً من الفوضى والدماء.
في مالي أو بوركينا فاسو يتحول الذهب إلى سلاح يقتل طفلاً، أو قنبلة تفجّر مدرسة، أو راتب لإرهابي يخطط لمجزرة جديدة. وهذه ليست مبالغة، بل واقع مرير يعيشه ملايين البشر في منطقة باتت تمثل 51% من وفيات الإرهاب عالمياً.
وفقاً لمؤشر السلام العالمي 2025، تتصدر بوركينا فاسو القائمة بدرجة 8.5، تليها مالي بـ7.9، والنيجر بـ7.7. هذه الأرقام المرعبة ليست مجرد إحصاءات، بل انعكاس مباشر لقدرة الجماعات الإرهابية على تمويل عملياتها تمويلاً مستداماً.
الحلقة الأحدث.. هجوم موريلا
في الثالث من كانون الثاني/يناير 2026، اقتحم مسلحون منجم موريلا للذهب في إقليم سيكاسو جنوب مالي، أحرقوا المعدات، واحتجزوا سبعة موظفين قبل إطلاق سراحهم بعد 24 ساعة.
الهجوم لم يكن حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة تكشف عن حقيقة مرعبة: الذهب في منطقة الساحل لم يعد مجرد مصدر للثروة، بل أصبح الوقود الرئيسي الذي يُشعل نار الإرهاب ويديم دورة العنف التي تلتهم المنطقة.
اقتصاد الموت المذهّب
تمتلك منطقة الساحل، الممتدة من المحيط الأطلسي غرباً إلى البحر الأحمر شرقاً، احتياطيات هائلة من الذهب تشكل ثروة طبيعية ضخمة، لكن للأسف تحولت هذه الثروة إلى نقمة.
وفقاً لتقرير الأمم المتحدة لعام 2023، يُنتج التعدين الحرفي والصغير النطاق، غير القانوني في معظمه، حوالي 50% من إنتاج الذهب في المنطقة. وهذا يعني أن مليارات الدولارات تُسرق من خزائن الدول لتصب مباشرة في جيوب الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية.
كما أن 1.8 مليون شخص في الساحل يعتمدون مباشرة على التعدين لكسب قوتهم، ما يجعل مناجم الذهب ساحات صراع دموي بين الجماعات الإرهابية والعصابات المسلحة.
فما يميز الجماعات الإرهابية في الساحل عن نظيراتها في مناطق أخرى هو تطورها في استغلال موارد الذهب. إذ لا تكتفي هذه الجماعات بسرقة الذهب أو ابتزاز العمال، بل تفرض ضرائب وإتاوات على المعدّنين مقابل "حمايتهم" من الجماعات المنافسة، وتفتح الغابات المحمية للتعدين غير الشرعي في تحدٍ صارخ لسلطة الدولة.
هذا النهج يحقق لها هدفين: الأول مالي بحت، إذ تؤمن تدفقاً مستمراً من الأموال. والثاني سياسي-اجتماعي، إذ تكسب دعم السكان المحليين الذين يشعرون بالإحباط من القيود الحكومية أو الفساد البيروقراطي في الحصول على تراخيص التعدين.
شبكات التهريب.. واقتصاد متنوع للعنف
بمجرد استخراج الذهب من باطن الأرض في مناطق تحت السيطرة الجهادية، يبدأ رحلة معقدة عبر شبكات تهريب دولية متشابكة. يُنقل الذهب عبر الحدود إلى دول مجاورة مثل توغو، أو عبر رحلات مباشرة إلى الخارج. يُهرّب الذهب غالباً في حقائب اليد، ويُغسل عبر خلطه مع الإنتاج الرسمي قبل تصديره إلى مصاف خارج أفريقيا، حيث يفقد المعدن كل أثر لمصدره الملطّخ بالدماء.
وبرغم أن الذهب ليس المصدر الوحيد لتمويل الإرهاب، إذا تعتمد الجماعات المسلحة أيضاً على الاختطاف مقابل الفدية، وسرقة الماشية، وغسيل الأموال، لكنه يظل الأهم.
ففي بوركينا فاسو وحدها، على سبيل المثال، ارتفع عدد حالات الاختطاف 30 ضعفاً بين 2017 و2022، لكن الذهب يبقى العمود الفقري لهذا الاقتصاد غير الشرعي، بخاصة أنه يوفر دخلاً مستداماً وأقل خطورة من الاختطاف.
فشل الدولة وانهيار الحلول
المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في عجز الحكومات عن تطبيقها. الانقلابات العسكرية المتتالية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وانسحابها من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) لتشكيل اتحاد دول الساحل، أدت إلى تفكك التعاون الإقليمي وتراجع الجهود الأمنية.
كما أن محاولات تأميم المناجم ومصادرة أصول الشركات الأجنبية، كما فعلت بوركينا فاسو ومالي أخيراً، لم توقف نزيف الذهب إلى أيدي الإرهابيين.
فالذهب في الساحل لم يعد معدناً ثميناً، بل لعنة تحوّل المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة. والمفارقة المؤلمة أن المعدن الذي يُفترض أن يكون مصدر ثراء وتنمية لشعوب الساحل، أصبح سبباً رئيسياً في فقرهم وموتهم.
نبض